تقرير البنك الدولي أبريل 2026: سقوط خطاب ” التشغيل والشباب والدولة الاجتماعية في اختبار الواقع”
سعيد الغماز-كاتب وباحث في التنمية والذكاء الاصطناعي
تحليل لتقرير البنك الدولي (أبريل 2026)
أصدر البنك الدولي في 28 أبريل الحالي، تقريرا حول الوضعية الاقتصادية لبلادنا، وتشريحا ضمنيا لعمل حكومة أخنوش. هذه الحكومة التي تتحدث كثيرا عن “الدولة الاجتماعية” وعن مليون منصب شغل، يُجيبها هذا التقرير بلغة واضحة وحروف منسقة حيث جاء فيه ” النموذج بلغ حدوده اليوم، خاصة فيما يتعلق بخلق فرص الشغل وتعزيز الإدماج الاجتماعي…” بعد هذا الوضوح، في تقرير دولي، يجب أن نقول لحكومة “الكفاءات”، ظهرت حقيقتكم للعيان وانتهى الكلام.
حتى المرأة التي كنا نسمع عنها كثيرا في خطابات حكومة أخنوش، يشير التقرير إلى أن معدل توظيف الإناث ما يزال من بين الأدنى في العالم، ويستمر في التدهور، على الرغم من ارتفاع مستوى تعليمهن. ومادام بعض وزراء حكومة الكفاءات لا يفهمون معنى الفشل سوى بلغة موليير، فهذا ما جاء بالحرف والفاصلة في تقرير المؤسسة الدولية:
Le taux d’activité des femmes demeure parmi les plus faibles au monde, malgré la progression de leur niveau d’études, et continue en outre de s’éroder.
ظلت حكومة أخنوش طيلة ولايتها، تتحدث عن الشباب والنساء، وعن برامجها في تيسير انخراطهم في الحياة الاقتصادية. لكن تقرير البنك الدولي، جاء بصورة سوداء عن نتائج حكومة “الكفاءات”، حين تحدث عن ارتفاع عدد السكان في سن العمل بوتيرة أسرع بكثير من نمو فرص العمل. واعتبر التقرير أن هذا الوضع يؤثر بشكل خاص على الشباب والنساء، حيث تظل معدلات مشاركتهم الاقتصادية من بين الأضعف عالميا.
يسلط التقرير الذي نشره البنك الدولي في أبريل 2026، الضوء على الإمكانات الكبيرة للتحول الاقتصادي في المغرب، مع التأكيد في الوقت ذاته على القيود الهيكلية التي تحد من خلق فرص الشغل وتحقيق نمو شامل. واستنادا إلى تشخيص معمق للقطاع الخاص، والديناميات الاقتصادية الكلية، تقترح المؤسسة الدولية مجموعة من الإصلاحات الرامية إلى تحفيز الاستثمار الخاص، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز الإدماج في سوق العمل. ويهدف هذا المقال إلى تحليل أبرز نتائج التقرير، مع إبراز الرهانات الاستراتيجية المرتبطة بالانتقال نحو نموذج نمو أكثر استدامة وشمولا.
منذ بداية الألفية الثالثة، سجل المغرب أداء اقتصاديا كليا مستقرا نسبيا، مدفوعا على وجه الخصوص، باستثمارات عمومية مهمة في البنيات التحتية والقطاعات الاستراتيجية. غير أن البنك الدولي يشير إلى أن هذا النموذج بلغ حدوده اليوم، خاصة فيما يتعلق بخلق فرص الشغل وتعزيز الإدماج الاجتماعي.
في هذا السياق، يندرج تقرير أبريل 2026 ضمن تفكير أوسع حول ضرورة إعادة توجيه النموذج الاقتصادي نحو دينامية يقودها القطاع الخاص والابتكار.
يعتمد التقرير على أداتين رئيسيتين:
• تقرير حول النمو والتشغيل
• تشخيص القطاع الخاص
وتجمع هذه المقاربات بين التحليل الاقتصادي الكلي، والدراسات القطاعية، والتقييم المؤسسي، بهدف تحديد معيقات النمو وفرص الاستثمار.
في هذا الصدد، أبرز التقرير ثلاث نتائج رئيسية:
-1- إمكانات نمو مرتفعة لكنها غير مستغلة بالكامل حيث يُقدِّر البنك الدولي أن إصلاحات هيكلية طموحة يمكن أن تؤدي إلى:
• زيادة الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي بنحو 20% على المدى الطويل
• خلق 1.7 مليون فرصة عمل في أفق 2035
• وصول عدد فرص العمل إلى 2.5 مليون بحلول سنة 2050
وتؤكد هذه التوقعات أن المغرب يمتلك إمكانات كبيرة، لكنها تظل رهينة بالتنفيذ الفعلي للإصلاحات. وهذا يحتاج لحكومة تفرزها صناديق الاقتراع وتحظى بدعم شعبي.
-2- نمو غير شامل، وهو ما يعني بلغة المتخصصين، إقرارا بفشل ذريع للمشاريع الحكومية المرتبطة بتطوير نسبة النمو. من أبرز خلاصات التقرير وجود فجوة بين النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل. فبين سنتي 2000 و2024، ارتفع عدد السكان في سن العمل بوتيرة أسرع بكثير من نمو فرص العمل، مما يعكس ضعف قدرة سوق الشغل على استيعاب الأعداد الوافدة على سوق الشغل.
ويؤثر هذا الوضع بشكل خاص على الشباب والنساء، حيث تظل معدلات مشاركتهم الاقتصادية من بين الأضعف عالميا.
-3- معيقات هيكلية رئيسية: تتحدد في ضعف المنافسة: حوالي ربع القطاعات الاقتصادية تعرف مستوى غير كاف من المنافسة، مما يحد من الابتكار والإنتاجية. محدودية تطور القطاع الخاص حيث تواجه المقاولات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، عدة تحديات: – صعوبات في الولوج إلى التمويل – نمو محدود وأخيرا تركُّز اقتصادي مرتفع. البيئة المؤسسية:
لا تزال القيود الإدارية والتنظيمية تعيق تطور المقاولات وجاذبية الاستثمار. فرص الاستثمار:
يشير التقرير إلى إمكانات استثمار خاص تبلغ 7.4 مليار دولار في قطاعات استراتيجية، من بينها: الطاقات المتجددة – النسيج المستدام – سلاسل القيمة الفلاحية (مثل الأركان) – تربية الأحياء المائية.
وتتميز هذه القطاعات بقدرتها العالية على خلق فرص الشغل وتعزيز النمو الأخضر.
وفي خضم الحديث عن نموذج جديد للنمو في بلادنا، يدعو التقرير إلى الانتقال نحو نموذج اقتصادي جديد قائم على:
• دينامية القطاع الخاص
• الابتكار
• الاندماج في سلاسل القيمة العالمية
ويفترض هذا التحول إعادة تموقع دور الدولة، من مستثمر مباشر إلى مسهّل ومنظم.
كما يؤكد التقرير على أهمية تعزيز الإدماج الاجتماعي من خلال سياسات فعالة في مجالات التعليم والتكوين والتشغيل، بهدف تقليص الفوارق الهيكلية. وفي هذا إشارة واضحة لضعف برامج حكومة أخنوش في هذه المجالات الحيوية.
ولم يفوت تقرير المؤسسة الدولية الفرصة للحديث عن توصيات استراتيجية. فقدم البنك الدولي أربع توصيات رئيسية:
1. تعزيز المنافسة في الأسواق
2. تحفيز ريادة الأعمال والاستثمار الخاص
3. تحسين فعالية الاستثمار العمومي
4. تعزيز شمولية سوق الشغل
وتندرج هذه التوصيات ضمن رؤية إصلاحية شاملة تهدف إلى إحداث تحول هيكلي في الاقتصاد المغربي. وهو ما يعني، أن الحكومة القادمة، ينتظرها عمل كبير لإصلاح ما أفسدته حكومة أخنوش.
في الختام، نقول إن تقرير البنك الدولي لأبريل 2026، يبرز مفارقة أساسية: رغم توفر أسس اقتصادية كلية قوية، يواجه المغرب صعوبة في تحقيق نمو شامل وغني بفرص الشغل.
ويتطلب تجاوز هذه المفارقة إصلاحات هيكلية عميقة تهدف إلى تحرير إمكانات القطاع الخاص وتعزيز تنافسية الاقتصاد. وفي هذا السياق، يقف المغرب عند مفترق طرق استراتيجي، حيث ستحدد الخيارات السياسية والمؤسسية مسار التنمية على المدى الطويل.



