
ليس أخطر على الحياة السياسية، من عودة خطاب ظنّ كثيرون أنه طُوي مع صفحات ماض مثقل بالتجارب الفاشلة، هذا الخطاب يجعل من الدعوة إلى حلّ حزب سياسي، أيّا كان موقعه أو مرجعيته، يتجاوز التعبير عن رأي، إلى التعبير الصريح عن نزعة استئصالية تتعارض مع روح الدستور، ومنطق التعدد الذي اختاره المغاربة بإرادتهم.
إن الحديث عن حلّ حزب العدالة والتنمية لا يمكن فصله عن هذا المنحى الإقصائي الذي يرى في الاختلاف تهديدا، وفي التعدد عبئا ينبغي التخلص منه، والحال أن هذا الحزب، سواء اتُّفق معه أو اختُلف، لم يعد مجرد تنظيم سياسي يمثل حساسية مجتمعية فقط، بل أصبح جزءا من النسيج السياسي والاجتماعي المغربي، وفاعلا أساسيا في مسار تطور التجربة الديمقراطية الوطنية.
لقد ارتبط اسم العدالة والتنمية بمرحلة سياسية كاملة، قاد خلالها الحكومة لولايتين متتاليتين، في سياق إقليمي ودولي معقد، كما ترأس جهتين، وترأس مئات الجماعات الترابية، وهذه ليست مجرد أرقام، بل مؤشرات على حضور سياسي واجتماعي لا يمكن محوه بقرار أو دعوة شاردة.
فالأحزاب لا تُختزل في قياداتها أو نتائجها الانتخابية الظرفية، بل تُقاس بامتدادها داخل المجتمع وقدرتها على التعبير عن فئات واسعة من المواطنين.
ثم إن منطق الدولة المغربية، كما استقر منذ عقود، لم يقم على الإقصاء أو الاستئصال، بل على التدبير التعددي، وعلى استيعاب مختلف التيارات ضمن قواعد الحياة الديمقراطية بالبلاد، وهو ما جعل المغرب يحافظ على قدر من الاستقرار في محيط إقليمي مضطرب، ومن ثَمّ، فإن الدعوة إلى حل حزب سياسي بهذا الحجم لا تبدو فقط نشازا، بل تناقضا مع اختيارات الدولة نفسها.
أما التساؤل حول من يكون صاحب هذه الدعوة، فليس الغرض منه شخصنة النقاش بقدر ما هو استحضار لقاعدة بسيطة، تقول إن القضايا الكبرى لا تُناقش بخفة، ولا تُدار بمنطق “البوز” أو البحث عن إثارة الانتباه، لأن طرح موضوع بحجم حل حزب، يجعل المتلقي أمام خطاب يحتاج إلى وزن سياسي وفكري، لا إلى مزايدات أو حسابات ضيقة.
الأخطر من ذلك أن مثل هذه الدعوات، حين تصدر، تفتح الباب أمام مناخ من الشك والتوتر، وتغذي منطق التخوين بدل التنافس، وتدفع بالنقاش العمومي بعيدا عن جوهره الحقيقي الذي يطرح أسئلة تطوير الأداء السياسي، وتعزيز الثقة في المؤسسات، والارتقاء بالفعل الحزبي ليكون في مستوى انتظارات المواطنين.
إن المغرب في حاجة اليوم إلى تعميق التعددية لا تقليصها، وإلى تجديد الثقة في الوساطة السياسية لا نسفها، أما الدعوات التي تستحضر منطق الاجتثاث، فهي في أحسن الأحوال، تعبير عن قراءة متجاوزة، وفي أسوئها، محاولة للالتفاف على قواعد التنافس الديمقراطي.
بكلمة، على الصنايبي واشباهه، أن يفهموا أن قوة الدول لا تُقاس بقدرتها على إقصاء المختلفين، بل بقدرتها على إدارة اختلافهم، وفي هذا الاختبار بالذات، راكم المغرب تجربة تستحق أن تُصان، لا أن تُهدد بخطابات تعيدنا إلى الوراء.




