ماذا نعني بتاريخ الفلسفة؟ .
هل هو مواكبة تطور الأفكار منذ أن وجد الإنسان؟ أم إن تاريخ الفلسفة هو تاريخ صراع الأفكار فيما بينها من خلال مراحل مر منها العقل البشري ووعي الإنسان بذاته وبغيره؟ وكيف تشكل هذا الوعي؟ وهل يمكن ارجاع نشأة وعي الإنسان إلى جنس بشري بعينه؟.
إن الحديث عن تاريخ الفلسفة هو حديث عن الفلسفة ذاتها، ولفظ الفلسفة مرتبط بالعقل ،ولذلك لا غرابة إذا بدأ الإنسان متسائلا :كيف تطورت المفاهيم والتصورات لرؤية الإنسان حول الكون والحياة والإنسان؟. يقول الفيلسوف الألماني هيكل “إن الفكرة الوحيدة التي تجيئنا بها الفلسفة هي هذه الفكرة البسيطة التي تحملها كلمة العقل ألا وهي أن العقل يحكم العالم وبالتالي فإن التاريخ الكلي الشامل قد تطور على نحو عقلي ” فهذه رؤية هيكل لمفهوم الفلسفة وكيف تطور مفهوم العقل الكلي الذي يعود إليه العالم في نشأته. غير أن الخلاف احتدم في العصور الحديثة بداية من الانقلاب الذي حصل في علم الرياضيات حول علاقة تاريخ الفلسفة بتاريخ العلم بل إن باشلار يرى أن الفلسفة تتحدد في علاقتها مع العلم، ورغم كل ذلك فلا خلاف بين الفلاسفة أن مصدر الفلسفة هو العقل الإنساني، وإن كان هذا التصور يحاول إقصاء الرؤية الصوفية.
يمكن القول أن تاريخ الفلسفة بدأ بلحظة الاندهاش الأولى “يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي…” فمنذ هذه اللحظة بدأ وعي الإنساني في التساؤل عن سر وجوده وإبداء الملاحظات حول الكون وفق مضمون وعيه ومعتقده .
صحيح أن مفهوم الفلسفة لا يمكن أن ينفصل عن الأشخاص الذين أنتجوها كما أن هناك من يؤرخ للفلسفة بالكتابة عن فرقة تستهويه تصوراتها كما يرى عبد الرحمن بدوي.
لكن لماذا تم احتكار وحصر مفهوم الفلسفة وتاريخها على الرؤية الغربية؟ بل تذهبت العقلية الغربية إلى أن الغرب هو مهد الحضارة الإنسانية ،وهو المنتج لمفاهيم العلم والفلسفة، وهكذا يذهب أريسطو إلى أن الفلسفة لم تبدأ إلا في القرن السادس قبل الميلاد على يد طالس الملطي. لكن وإنصافا للحق فإن ديو جونس الليرتي يرى أن الفلسفة بدأت عند الشعوب الشرقية. وتمشيا مع ما ذهب إليه أرسطو أكد عبد المجيد الصغير أن مارتن هايدغر “ادعى وقف القدرة على التفلسف في المجتمعات الغربية دون غيرها ” وقد حاول أرسطو تجسيد عقلية اليونان في تلك المرحلة التاريخية. فقد حصر التأمل الفلسفي على السادة دون العبيد، كما وضح ذلك في رسالته الأخلاق إلى نيقوماخ وهو تبرير للعبودية، الأمر الذي يتنافى مع ما تدعو إليه الفلسفة. فالفلسفة تقتضي الحرية والوعي بالذات.
نعم تختلف القراءات لتاريخ الفلسفة حسب المعطيات من أجل بلورة مشروع يقنن نشأة الفلسفة. ولكن الذي يمكن التأكيد عليه أن الفلسفة لا يمكن أن تنشأ من الفراغ بل لابد من حضور وضعية معينة تدعو إلى الاستغراب وتثير التساؤلات من أجل الحصول على جواب ما، ولكن الفلسفة يلحقها الفناء عندما تتحول إلى اديولوجيا ذات حمولة تبشيرية، وحينئذ تخرج عن إطارها كمنهج للتفكير للوصول إلى الحقيقة .فالفلسفة تفكير بشري مرتبط بالزمان والمكان وليست وحيا سماويا، فالفيلسوف عاش فترة زمنية محددة وتأمل وحلل مشاكل مجتمعه وفق رؤيته، وقد يكون تحليله صحيحا أو خاطئا ،والمهم أنه مرتبط بالواقع التاريخي والاجتماعي لبيئته ،ولكن هناك من يعيش لحظة الاستلاب ويضفي ثوب القداسة على إنتاج فيلسوف ما ،وبذلك يخرجه عن إطار الفلسفة كوجهة نظر بشرية، وهكذا نجد من يردد مضمونا فلسفيا أصبح محتواه أجنبيا عن ثقافتنا، فماركس نظر إلى واقع ألمانيا القرن التاسع عشر ولو بعث من قبره اليوم فهل سيكتب “رأس المال” بالطريقة التي كتب بها سابقا لأن واقع ألمانيا تغير .
صحيح أن الفلسفة لا يمكن أن تبتعد عن الأشخاص الذين أنتجوها ولكن على دارس الفلسفة أن يعلم “أن الفلسفة كما حدد سقراط ليست مذاهب وأقوالا وإنما هي وسيلة يستطيع بها الإنسان أن يستخدم عقله على النحو الصحيح”. كما ذكر ذلك عبد الرحمن بدوي. فالفلسفة على هذا الأساس منهاج وطريقة في التفكير ومن ثم يصبح تاريخها: كيفية تطور العقل البشري، فديكارت يرى مثلا أن الشخص الذي يسير ببطء لكنه يسير في خط مستقيم قد يسبق الشخص الذي يسير بسرعة ولكنه لا يسير في خط مستقيم .لكن لا يمكن أن أتصور تاريخ الفلسفة وكيف تطور وأنا فاقد لوعيي بذاتي لأن الوعي بالذات أمر أساسي للتعامل مع الآخر سواء كان فكرا أو غيره، وإلا سقطنا في التبعية والاجترار وعدم استقلال الارادة ،بل قد يعيش الإنسان حالة الوصاية. وقد يسجل الإنسان وهو يتعاطى تاريخ الفلسفة أن التصورات الغربية التي ناقشت الفلسفة وتاريخها ترجع نشأتها إلى الغرب ولكن ليس كل ما يكتب أو يقال يصدق فالإنسان عليه أن يتحرر من خلفيات الأحكام الجاهزة القائمة على منطق المركزية الأوروبية التي ترجع كل شيء إلى الغرب وتاريخه بل تعتبر الغرب نفسه هو مهد الحضارة الإنسانية.
وقد نجد أحد أتباع الغرب من بني جلدتنا : طه حسين في كتابه قادة الفكر “وفكر معي قليلا في تاريخ اليونان الذي ترجع إليه الحضارة الإنسانية الحديثة والقديمة”.
ولكن هل يمكن التسليم بهذا؟ فالإنسان لا يمكن أن يكون حرا وهو يفكر بعقل غيره فأنا أنتمي إلى حضارة وتاريخ وإلى وعي ساهم إلى حد كبير في بلورة كينونتي وذاتي .فكيف يمكن أن يتعاطى الإنسان الفلسفة وهو لا يعترف بذاته باعتبارها وعيا ومضمونا ثقافيا.
إن المعرفة ليست ملكا لأحد وإنما ساهمت الإنسانية في نشأتها وبلورتها وتضافرت جهود البشر في صياغة ما عليه الأمر في يوم الناس هذا . فالبشرية بعضها يستفيد من بعض وتتداخل الحضارات وتتلاقح ولا غرابة عندما يأخذ كارل ماركس قولته الشهيرة “الدين افيون الشعوب” من الشاعر هاينريش هاينه. وللأسف إن كثيرا من دارسي تاريخ الفلسفة تسود تصوراتهم روح الإقصاء فيعتبرون أن المرحلة الإسلامية مرحلة مفقودة وكأن المسلمين ليس لهم مساهمة في إذكاء روح الإبداع والإبتكار اوليس لهم دور في التاريخ أو لم يتأثر بهم الغرب في إحدى مراحل بلورة مشروعه النهضوي، ولكن عقليته الاستعلائية لا تسمح له بذلك فنجد مثلا بعض دارسي تاريخ الفلسفة عندما ينتهون من المرحلة اليونانية يتم الانتقال مباشرة إلى الفلسفة الحديثة في الغرب وكأن المرحلة الإسلامية ليست جديرة بالدراسة وفارغة من كل محتوى. بل نجد البعض قد حصر إنتاج المسلمين الفلسفي في ترجمة الفلسفة اليونانية التي اعتبرها بعضهم: جميل صليبة” فلسفة يونانية مكتوبة بأحرف عربية” وتناسى هؤلاء الفكر الذي صدر فيه المسلمون عن ذواتهم ويمثل توجههم الحضاري، والذي تم إنجازه بفضل مجهودات المخلصين من الأمة المسلمة .ولم يكن للطبقة الحاكمة أي دور فيه بل إن ترجمة الفلسفة اليونانية لم تكن بريئة .
وقد تميز هذا الإنجاز بالدقة والموضوعية والتفاني للوصول إلى الهدف، فهذا المجهود الضخم يمثل مرحلة مضيئة قل نظيرها في تاريخ البشرية. وقد تجلى ذلك الإبداع في كثير من المجالات سواء كانت علمية أو منطقية فلسفية أو لغوية ولكن الذين في قلوبهم مرض أرادوا طمس الحقيقة بعد أن اشرقت الشمس.
صحيح إن المسلمين استفادوا من غيرهم ولكنهم عرفوا كيف يستفيدون دون ذوابان أو تبعية.




