رأي

الصداقة في زماننا هذا استنزاف للعمر وحماقة

بقلم الكاتب عبد اللطيف بوعلام الصفريوي.

ما التقيت شخصا ما يريد أن يبوح لي بمعاناته المتتالية مع أصدقائه إلا واشتكى لي قٍمّة الخٍذْلان والرّٓوٓغان، وعدم الوفاء الذي قٓلّٓ عند الإخوان: ” سّلًِفٔلُو والله ما يردلكش. وكلو ما يشكركش. بُوحْ لو بأسرارك وثق فيه ما يستركش. أمنو على أي حاجة لابد ما يغدرك… قمة النفاق قد ملأت بالفعل الآفاق..، ” فَكَمْ مِن صَديق يلقاك عناقا، ويقسم أنه لا يطيق لك فراقـا، مَلَك كريـم في مظهره، شيطان رجيم في مخبره. يلقاك بوجه أبـي بكر وقلب أبـي لهب “.
والسبب يُعْزى في نظري إلى أن الصداقة الحالية أصبحت تطبعها المصلحة الآنية، فبمجرد انقضاء تعبئتها تتحول إلى انفصال بعين ميكة أو عداوة مُسْتَحْكٍمَة لأنها مبنية على حطام الدنيا لا على الدين صمام الأمان في كل حين.
ذلك أن الصداقة الحقيقية هي من أسمى الروابط الإنسانية، وهي بالفعل كنز لا يُقَدَّر بثمن، يجمع القلوب على الإخاء والوفاء والمحبة الخالصة لأن الصديق الحقيقي هو السًَنَدُ في الشدائد، والمشارك الفعلي في الفرح والقَرْح، والمرآة الناصعة التي تعكس عيوبك بصدق لتقوم بإصلاحها. وهي شجرة بذورها الثقة وأغصانها الأمل، وبدونها تصبح الحياة بلا طعم ولا لون.
والصداقة الحقيقية هي أيضا التي تظهر وقت الضيق والمٍحَن، وتقف بجانبك عندما يبتعد الجميع، وهي كنز ومساندة متمثلة في تلك العلاقة الأبدية لا تذوب ولا تغيب، تُجَمّل الحياة وتجعلها أكثر سعادة.
وصفات الصديق الحقيقي الوفي هو الذي يَصْدُقُك القول، ويحفظ عهدك، ويستر عيبك، وينصحك للخير، ويشاركك لحظات الحزن قبل الفرح.
ويقبل اعتذاراتك متفهما ظروفك، فيسامحك عند الخطأ غير العمد إذا صدر منك..
وبعبارة أدق، فالصداقة ليست سلعة تُباع وتذاكر تُحتجز . بل هي أحسن ِمٍنَّة وعطية كوردة جميلة يجب رعايتها بالاهتمام والمودة ليحظى كل منا برفيق درب يضيء لنا عتمة الحياة المعقدة في وقتنا الٱن.
وخير نموذج للصداقة الموجبة لأعلى الجٍنان ما ذكره القرٱن في سورة التوبة. هاكم الدليل والبرهان لدى قوله عز وجل الكريم المنَّان:
﴿إِلّا تَنصُروهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخرَجَهُ الَّذينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَينِ إِذْ هُمَا فِي الغارِ إِذ يَقولُ لِصاحِبِهِ لا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكينَتَهُ عَلَيهِ، وَأَيَّدَهُ بِجُنودٍ لَم تَرَوها، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذينَ كَفَرُوا السُّفْلَى، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، وَاللَّهُ عَزيزٌ حَكيمٌ﴾ [40].
والمقصود هنا بالصاحب المرافق لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم هو رفيقه في المعاناة منذ البعث إلى الممات أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.
تأملوا معي قول الرسول الأكرم وهو يبدد مخاوف صديقه الوفي: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) بالمعونة والنصر؛ حيث لم يقل له:
” لا تحزن فأنا رسول الله لن يصلوا إلينا “، فحتى خير الخلق تبرأ من حوله وقوته إلى حول ربه وقوته، فماذا عنا نحن الضعفاء المستقوين بفلان وعَلاَّن وبفتات الدنيا…
قال الشعبي في تفسير البغوي بمعرض الٱية: ” عَاتَبَ اللَّهُ ﷻ أَهْلَ الْأَرْضِ جَمِيعًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ -رضي الله عنه “.
ومن مناقب هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه أنه بذل ماله ونفسه للنبي ﷺ. حيث قال فيه الرسول الأكرم” مَا لِأَحدٍ عٍنْدَنَا يَدٌ إلَّا وَقَدْ كَافَأْنَاهُ، مَا خلَا أَبَا بَكْرٍ، فإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكافِئُهُ اللهُ بِها يَوْمَ الْقٍيَامَةِ، ومَا نفَعَنِي مَالُ أحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعِني مالُ َأبي بَكْرٍ ، ولَوْ كُنْتُ متخِذًا خَلِيلًا لاتًَخذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ صَاحٍبَكُمْ خَلٍيلُ اللًٓـهٍ”.
_ وكان ثاني النبي ﷺ في الغار.
_ وصاحب النبي ﷺ في الهجرة.
وأنيس النبي ﷺ في العرش يوم بدر. _ ووزير النبي ﷺ، والمستشار في أموره. _ وَعَيِّنَه النبي ﷺ أميرًا في موسم الحج._ وقدمه النبي ﷺ على جميع الصحابة في الصلاة أيام مرضه _ وبشَّره النبي ﷺ بالجنة.
_ والمخصوص بتسميته الصديق.
_ والمشبَّه من الملائكة بميكائيل، ومن الأنبياء بإبراهيم.
ثم هو وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما بُشِّرَا أنهما سيدا كُهُولٍ أهل الجنة، ولهما قال ﷺ: « هُمَا مٍنًٍي بٍمَنْزٍلَـةٍ يَمٍينٍي مٍنْ شٍمَالٍي ».
هذه هي الصحبة والصداقة الصادقة، فمن كانا على هذا النهج، فهو صديق مخلص حقيق، ومن كان بخلافه، فهو منافق مُسْتَغٍلً للظرف زنديق، وما أكثر هذه الطائفة صاحبة المصلحة والتذلل عند الحاجة. اللهم إن كانت الحاجة متبادلة في الخير ونفع الغير، وكاتب هذا المقال كان له أصدقاء كُثْرٌ طواهم النسيان” لٍّي قَطَّعْتٍيهْ الواد كيحاول يْغَرْقَكٰ فيه “، فصار له إخوة معدودون لا زالت تربطني بهم علاقة وُدّ وحب مستديم، والباقي الما والشطابة حتى لقاع لبحر، ولي كيعرف بَّـا يمشي يدعيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى