رأي

مستقبل شغف القراءة بين سندان ضيق الفضاء ومطرقة ارتفاع الأسعار.

بقلم الدكتور الحسن الباز:استاذ التعليم العالي سابقا بجامعتي ابن زهر والقرويين

حكى أحد رجال التعليم قبل عقود ان استاذا ممن يمارس المهنة نفسها قال له: “لقد قضيت 12 سنة في التدريس ولم أقتن خلالها أي كتاب.”
هذا نموذج من قطاع عريض ممن يمارس حرفة دون توفره على
أدوات امتهانها. وقد كانت المرحومة الدكتورة عائشة عبد الرحمن(بنت الشاطئ) عندما كانت تدرس التفسير في جامعة القرويين بفاس منتصف سنوات السبعين من القرن الماضي تقول للطلبة وهي تحثهم على اقتناء معجم مفردات القرآن للراغب الأصفهاني: “هل تتصورون محترفا لمهنة معينة لا يملك أدوات ممارسة حرفته؟”
سقت هذه المقدمة لأتحدث عن امور بمناسبة المعرض الدولي
للكتاب:
1-منذ عقود وأنا أعتاد زيارة المعرض لاقتناء ما اراه ضروريا في مساري المهني الجامعي من مراجع أكثر إجرائية للاعتماد في تدريس وحدات جديدة من المواد التي قدر لي تلقينها وهي لا تقل عن 37 مادة ووحدة دراسية. ويتاكد ذلك عندما تحمل هذه الوحدات أسماء جديدة تم في اقتراحها تفعيل التكامل المعرفي والتنوع المنهجي.
والهاجس الثاتي الذي يحفزني للمداومة على زيا’ة دورات المعرض التطلع لمعرفة الجديد في موضوعات أحتفظ فيها ببحوث معدة للنشر تستدعي الاستكمال والتنقيح حتى لا يكون عدم متابعة الجديد نقصا معرفيا أو خللا منهجيا يمنع من تحقيق تلك البحوث للغايات التي أنجزت من أجلها.
2-عرفت خلال هذا المسار الأساتذة والمثقفين الذين يداومون على زيا’ة المعرض سواء في الجامعتين اللتين اشتغلت بهما أو في جامعات أخرى داخل الوطن.
بل عرفت من آراء بعضهم كذلك من يكون أقرب إلى الموضوعية في تقويم كل دورة ومن تكون آراؤه انطباعية قاصرة. وهناك وجوه وأسماء لا تكاد تزور المعرض في كل دورة إلا وتلتقي بها مما يؤكد مستوى شغف القراءة لديها والحرص على الاكتشاف والمتابعة.
3- هذا الشغف بالقراءة والعلاقة الخاصة مع الكتاب لا تحصل لدى من ابتلي بها من فراغ. بل يكون ذلك نتيجة عوامل مؤثرة تترك آثارا قوية في شخصية القارئ. ومنها الأدبيات التي تم تلقيها في مراحل متقدمة من المسار الدراسي، كقول الشاعر:
وخير مكان في الدنى سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب.
ومنها نوع الكتب التي يتم تداولها في مراحل فاصلة من توجيه الطالب مثل مرحلة التعليم الثانوي قبيل مستوى الباكالوريا. وفيها مثلا كنا نلتهم تعمال طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وسلامة موسى وجرجي زيدان ومحمد مندور وشوقي ضيف ومحمد البهي ومالك بن نبي ومحمد قطب وسيد قطب ومحمد الغزالي وغازي التوبة وآخرين.
ومن هذه المؤثرات النشأة في بيئة يكون فيها الكتاب متاحا، والقارئ قريبا من المكتبات الخاصة والعامة، كما هو الشأن بالنسبة لأبناء الأسر العلمية. لا أخفي مثلا أن مكتبة والدي المرحوم محمد بن الباز ت 1994 (انظر ترجمته في معلمة المغرب 3\989-990) قد كان لها أثر قوي في تحبيب القراءة إلي. ولم يقتصر ذلك على الكتب بل يشمل الدوريات أيضا مثل مجلة هنا لندن، والاعتصام المصرية وصحيفة الميثاق لرابطة عبماءوالمغرب ومجلة الكلمة لجمعية علماء سوس. بل اكتشفت لاحقا ضمن مكتبته مجلة البصائر التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين بالجزائر.
وكان هو نفسه شغوفا بالقراءة خاصة لتراث المرحوم العلامة محمد المختار السوسي. ولا يخلو ارشيفه من فوائم تسويق كتابه المعسول الذي كان ثمن الجزء الواحد منه لا يتجاوز 10 دراهم.
4-هذه الفئة الشغوفة باقتناء الكتب تعاني من إكراهات تهدد هذا الشغف وتنذر بطلاق اضطراري بين محبي الكتاب وبين مكتباتهم التي راكموها خلال عقود من مسارهم العلمي والمهني:
الإكراه الاول: هو ان متابعة هذا الشغف يحناج إلى فضاء واسع لرفوف المكتبة المنظمةبشكل يسهل الوصول إلى تناول الكتاب المقصود استعماله والاطلاع عليه.
فعند بناء مسكن معين: ليس هناك تمييز بين من سبستعمل مساحة معينة من مسكته قد تصل إلى طابق كامل أو اكثر- والحال أن ذلك ضروري لممارسة مهنته واستثمار كفاءته في أمور عامة لايقتصر نفعها عليه شخصيا- وبين غيره ممن سيستعمل فضاءات مسكنه للأمور المعاشبة العادية، حيث يتساوى الطرفان معا في الرسوم والضرائب الواجب أداؤها.
وهناك أمر أكثر إيذاء واستفزازا عندما يرخص في تصميم البناء لذوي عقارات مجاورة لعقار الشغوف بالقراءة المضطر لاستعمال مكتبته في مسؤولياته المهنية، يرخص لغيره بحفر القبو الذي يشكل طابقا مستقلا يمكن ان يستوفي حاجة الباحث في رص مكتبته وتنظيم رفوفها. والحال أنه لا يعطى له هذا الترخيص.
بل أحيانا يقوم البعض ممن هم مسؤولون عن المنع أو الترخيص بالسماح للبعض بذلك مقابل ما هو معلوم في هذا الصدد مما تطفح به أوضاعنا الإدارية والمالية من فساد واستغلال وتبادل المصالح. ويبقى من أراد ان يكون وفيا لما قرأ ولمن علمه القراءة ضحية هذا الإكراه.
6- رغم هذا الإكراه لا يتوقف الشغوفون بالمعرفة عن متابعة ما يرون أنه لا ينبغي تجاهله وتجاوزه من منشورات جديدة تهمهم في ابحاثهم وفي تنفسهم هواء المعرفة والتجديد والإبداع الذي يعطي لحياتهم معنى خاصة في مراحل النضج والاختمار والتأمل استعدادا للرحيل وإبراء للذمة وتورعا من كتمان ما يعلمون، وهم يعيشون في أواخر أعمارهم مراحل تلخيص الخبرات والتجارب
ولكن الوفاء لهذه المتابعة تكلفهم تحمل الارتفاع المهول في أسعار الكتاب.
كل ما ذكر عناصر تغري بالبحث عن سبل لتجاوز تلك الإكراهات والمتاعب قبل أن يودع القراء الكتاب الورقي إلى غير رجعة ليلجؤوا إلى ما تتيحه الوسائط الالكترونية من سبل تيسير الوصول إلى المعلومة وتسهيل طرق استثمارها في البحوث المعاصرة.
وهو الأمر الذي يغذي ما يشعر به ويشتكي منه بعض أرباب دور النشر الذين يعبرون عن اضطرارهم للتوقف عن إتمام إنجاز بعض أعمال النشر نتيجة ما يعرفه سوق الكتاب من كساد ومتاعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى