11/05/26 ـ
يبرز النقاش حول إقتصاد المهاجرين في العالم بوصفه واحدا من أهم المداخل لفهم التحولات الإجتماعية والإقتصادية في البلاد. فالمهاجر في الخطاب العام لا ينبغي أن يظل محصورا في أسئلة الإندماج والهوية فقط، بل يجب أن ينظر إليه أيضا كفاعل إقتصادي، وصاحب مبادرة، وصانع فرص. ومن هنا تكتسب تجارب المؤسسين ورواد الأعمال من أصول مهاجرة أهمية خاصة، لأنها تنقل النقاش من مستوى الصور النمطية إلى مستوى التجربة والمعرفة الميدانية.
الهجرة كبذرة للمبادرة
من يبدأ حياته في بلد جديد لا يبدأ من فراغ، بل يحمل معه تجربة قاسية وعميقة في إتخاذ القرار والمجازفة. فالهجرة نفسها تشبه إلى حد بعيد فعل تأسيس مشروع: خروج من المألوف، وقبول بالمخاطر، وصبر على البدايات، وإيمان بأن المستقبل يمكن أن يبنى رغم الغموض.
لذلك لا يبدو غريبا أن يتحول كثير من المهاجرين إلى مؤسسين وأصحاب أعمال. فهم يعرفون معنى أن تفتح بابا مغلقا، وأن تثبت نفسك في بيئة جديدة، وأن تصنع الثقة خطوة بعد خطوة.
كسر الكليشيهات القديمة
طويلا جرى النظر إلى ريادة الأعمال المهاجرة من خلال صور نمطية ضيقة، لا ترى إلا السطح وتغفل العمق. لكن وراء كل مشروع أسسه مهاجر توجد قصة صبر، ومرونة، وذكاء عملي، وقدرة على تحمل الضغط.
هؤلاء لا يطلبون شفقة، بل إعترافا عادلا بما يقدمونه. إنهم يخلقون فرص عمل، ويدفعون الضرائب، وينشطون الأسواق، ويضيفون إلى الحياة الإقتصادية خبرات ولغات وشبكات مختلفة. لذلك فإن إختزالهم في صور جاهزة لا يظلمهم وحدهم، بل يحرم المجتمع من فهم جزء مهم من قوته.
من الهامش إلى قلب الإقتصاد
ما يبرزه هذا النقاش أن إقتصاد المهاجرين لم يعد ظاهرة جانبية، بل صار جزءا حقيقيا من بنية الإقتصاد العالمي . فالمؤسسون من أصول مهاجرة حاضرون في التجارة، والخدمات، والصناعة، والتكنولوجيا، والإقتصاد المتوسط.
وحين يتقاطع هذا الحضور مع تجارب رجال أعمال ومؤسسين من أصول مهاجرة، ومع قراءات خبراء وباحثين في الشأن الاقتصادي، تتضح الصورة أكثر: نحن أمام طاقة إقتصادية واسعة لا تقل أهمية عن غيرها، بل يمكن أن تكون محركا للإبتكار والتجديد، ومصدرا لخلق فرص العمل، وتنشيط الأسواق، وتوسيع آفاق الإقتصاد نحو مزيد من التنوع والحيوية
التمويل بوصفه إختبارا للعدالة
غير أن النجاح لا يصنعه الطموح وحده. فكل مشروع يحتاج إلى رأس مال، وثقة، وشبكة دعم، ومؤسسات تؤمن بالفكرة قبل أن تطالبها بالنتائج.
وهنا تظهر الأسئلة الصعبة: هل يحصل المؤسسون من أصول مهاجرة على الفرص نفسها؟ هل تفتح لهم أبواب التمويل بالقدر ذاته؟ وهل ينظر إلى أسمائهم وخلفياتهم بوصفها عناصر قوة أم بوصفها عوائق صامتة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف مدى عدالة النظام الاقتصادي، ومدى إستعداده لإستثمار كل الطاقات الموجودة داخله.
التنوع كقيمة إقتصادية
التنوع ليس شعارا جميلا يرفع في المناسبات، بل رصيد إقتصادي حقيقي. فالمهاجر يحمل معه تجربة حياة، ونظرة مختلفة، وقدرة على التواصل مع أسواق وثقافات متعددة. كما أن ظروف البداية الصعبة تصنع لدى كثيرين قدرة عالية على الإبتكار والتكيف.
ومن هنا، فإن دعم إقتصاد المهاجرين ليس منة ولا عملا رمزيا، بل إستثمار ذكي في مستقبل العالم نفسها. فالاقتصاد القوي لا يقوم على التشابه، بل على تعدد التجارب وتكامل القدرات.
الإعتراف بداية الشراكة
إن قراءة دور المهاجرين في الاقتصاد العالمي تفتح الباب أمام فهم أكثر نضجا لحضورهم ومساهمتهم. فهؤلاء ليسوا ضيوفا على هامش السوق، بل شركاء في بنائه وتطويره.
وحين تقابل الشجاعة بالثقة، والطموح بالتمويل، والتجربة بالإعتراف، يتحول النجاح الفردي إلى مكسب عالمي. لذلك لم يعد السؤال: هل يساهم المهاجرون في الإقتصاد؟ بل السؤال الحقيقي هو: هل يمنحهم الإقتصاد المساحة التي يستحقونها؟ ففي الجواب عن هذا السؤال يتحدد جزء مهم من مستقبل العالم .




