11/05/26
ليست «مونبارناس» مجرد أغنية عن حي باريسي، ولا وقفة عابرة في شارع من شوارع الغربة. إنها صرخة خرجت من برد الليل، ومن دم شاب عربي سقط في الفجر، لا لذنب اقترفه، ولا لخطيئة حملها في يديه، بل لأنه كان عربيا، أسمر، غريبا في مدينة يمر فيها الناس أجناسا، ثم يمضي كل واحد إلى مصيره.
في منتصف الثمانينات، وفي الساعات الأولى من الفجر، قتلت العنصرية شابا جزائريا، طالبا جامعيا، في باريس. قتله حقد أعمى تربى على كراهية الناس. وفي ذلك الأسبوع، التقط عبد الوهاب الدكالي الوجع كما يلتقط الفنان الحقيقي أنين الزمن، وكتب «مونبارناس»؛ أغنية لا تبكي الضحية وحدها، بل تبكي الغربة، والهوية، والخوف، والإنسان حين يصبح لونه أو أصله تهمة.
كان عبد الوهاب الدكالي يعرف أن المهاجر لا يحمل حقيبة فقط، بل يحمل وطنا كاملا في صدره؛ لذلك لم ينس المهاجرين، بل منحهم في «مونبارناس» صوتا يدفأ به القلب حين تبرد الشوارع، ومرآة يرون فيها وجوههم بين المحطات والمطارات والانتظار.
هنا لا يعود مونبارناس مجرد اسم لحي عرف الفنانين والأدباء والمثقفين، بل يصير محطة وجودية. مكانا يقف فيه الإنسان وحيدا، يراجع حسابه، ويسأل قلبه: من الجاني؟ أهو القاتل وحده؟ أم زمن صار فيه الحقد أقدر من الرحمة؟ أم غربة تجعل الدم العربي يسيل في شارع بارد، ثم يواصل الليل طريقه كأن شيئا لم يكن؟
في مونبارناس، والليل خيم، والناس أجناس.
وقف الفنان وحيدا. لم يكن وحده تماما؛ كان معه صدى البلاد، ووجه الأم، وحنين المهاجرين، ودم ذلك الأخ الذي صار أخا للجميع. كان الشارع باردا، لكن البرودة لم تكن برودة حجر ورصيف فقط؛ كانت برودة عالم ينظر إلى الجريمة ثم يواصل سيره، كأن الدم الذي سال ليس دما، وكأن الفجر الذي مات ليس فجرا.
في مونبارناس مات خويا يا بويا.
هكذا تبدأ المرثية من عمق القرابة. لا يقول مات شاب، ولا مات غريب، ولا مات طالب. يقول: مات خويا. لأن الضحية حين يسقط ظلما، لا يبقى فردا بعينه، بل يصير أخا لكل من ذاق مرارة الإقصاء، وكل من حمل في جيبه جواز سفر وفي قلبه وطنا بعيدا، وكل من سار في مدينة لا يعرف فيها هل يعود إلى غرفته، أم يعود إلى أمه في صندوق.
والرصاصة هنا ليست قطعة معدن فقط؛ إنها فكرة سوداء، تاريخ طويل من الكراهية، عين لا ترى الإنسان بل ترى لونه واسمه وملامحه. لذلك حين يقول: برصاص قناص عنصري، بالحقد أعمى، فإن الأغنية لا ترثي القتيل وحده، بل تدين تربية كاملة على العمى، وتفضح قلبا لم يتعلم من المدينة إلا كيف يقتل من يختلف عنه.
في مونبارناس سال دم أحمر.
والدم، مهما اختلفت الأسماء واللغات والأديان، لا لون له إلا الأحمر. سال دم أحمر، وبكت طيور الفجر. والفجر الذي كان ينبغي أن يفتح النهار، صار شاهدا على موت جديد. لم يعد الصباح وعدا، بل صار موعدا آخر مع الفقد. تبكي الطيور لأنها رأت ما لم يرد البشر أن يروه: شابا يسقط، وأما بعيدة لا تدري بعد، وبلادا سيصلها الخبر مثل حجر على القلب.
شحال يقدني نحكي ونعيد؟
سؤال لا ينتظر جوابا. كم مرة يمكن للقلب أن يعيد الحكاية؟ كم مرة يمكن للأغنية أن تحمل جنازة؟ في كل مرة يموت فجر جديد، وتغيب القمرة، ويتأجل العيد. كأن موتا واحدا لا ينتهي في لحظته، بل يظل يتكرر في ذاكرة الناس. كلما رويت الحكاية مات الصبح مرة أخرى، وكلما ذكر الاسم بردت الشوارع، وكلما عاد الصوت إلى مونبارناس تأجل العيد.
وشوارع الغربة يا بويا تحولت جليد.
ليست الغربة دائما بعدا عن الوطن فقط. أحيانا تكون الغربة أن تمشي بين الناس ولا يراك أحد. أن تتكلم فلا يسمعك إلا صدى داخلك. أن تكون حيا، لكنك مطالب كل يوم أن تثبت أنك تستحق الحياة. وفي كل مدينة يمكن أن يكون هناك مونبارناس آخر، وشارع آخر، وفجر آخر، وأم أخرى تنتظر اتصالا لن يأتي كما تمنت.
قطار يا بويا يرمينا لقطار.
هنا تتحول الأغنية من مرثية إلى سيرة المهاجرين. قطار يرميهم لقطار، ومحطة تفتح على محطة، ومطار يودعهم ويستقبلهم مطار. كأن الحياة صارت تنقلا بلا وصول. في كل محطة تأشيرة، وشك، وانتظار. وفي كل باب سؤال. وفي كل حدود نظرة تفتيش لا تبحث في الحقيبة فقط، بل في الوجه والاسم والذاكرة.
يا مة، يا مة، غلبني الشوق يا مة.
حين تصل الأغنية إلى الأم، ينكسر الصوت. الأم هي الوطن حين يصير الوطن بعيدا. هي الرائحة الأولى، والباب الأول، واليد التي لا تسأل ابنها عن أوراقه. يقول لها: وحشني هوى البلاد. ليس الهواء هنا مجرد نسيم، بل ذاكرة كاملة؛ رائحة الخبز، ضوء الصباح، أصوات الجيران، دعاء المساء، وحنان لا يحتاج إلى ترجمة.
وللي كتاب يا مة، رجعت في صندوق.
هذه هي أقسى العودة. هناك من يعود حاملا حقيبة، وهناك من يعود محمولا في صندوق. كان قد خرج يبحث عن حياة، فعاد جثة. كان يحلم أن يفرح أمه، فعاد يوصيها أن تهتم بأولادها. يا لها من وصية موجعة: نوصيك يا مة تهلاي في ولادك.
وما يزيد «مونبارناس» عمقا أن عبد الوهاب الدكالي لم يقدمها كخبر عابر، بل كحالة إنسانية وفلسفية. جعل من الحي الباريسي مرآة للروح، ومن الشارع سؤالا، ومن الدم نشيدا حزينا، ومن الغربة مقاما موسيقيا تتجاور فيه الروح المغاربية مع الفالس، والأنين العربي مع الأوركسترا الغربية.
مونبارناس إذن ليست مكانا فقط. إنها تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان وحده وسط الزحام، يراجع حسابه، ويسأل قلبه: ماذا حققنا؟ ماذا فقدنا؟ ومن يحمينا حين يصبح الاسم تهمة، واللون سببا للموت؟
وفي آخر الحكاية، لا نسمع تصفيقا. نسمع قطارا يبتعد، ومطارا يفتح بابه لرحيل جديد، وأما تنتظر، وفجرا يتأخر، وقلبا يسأل في برد مونبارناس:
شكون الجاني؟
ثم يعود الصوت، خافتا أولا، ثم مكسورا، ثم عميقا كدعاء:
في مونبارناس مات خويا يا بويا.




