رأي

مقال تحذيري موجه خصيصا لأهل القرآن

بقلم شيخ القراء عبد اللطيف بوعلام بمدينة حب الملوك بالبيان.

القرآن العظيم- أيها الإخوان والأخوات الأفاضل – هو منهج حياة لا مجرد ترتيل وتحبير للآيات الربانية مجانا أو لأجل بعض الدريهمات الفانية.
ذلك أنه ليس المعنى المقصود بـ: “صاحب(ة) القرآن” من يحفظ حروفه، ويُضَيِّع حدوده.. بل هو من عاش بقلبه مع معانيه، وترجم آياته إلى أفعال نافعة له وللأمة.
تحضرني في هذه الجزئية شهادة حق لابن القيم الجوزية في تعريفه الجامع المانع لهذه الضميمة الغالية؛ إذ قال: “أهل القرآن هم العالمون به العاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب”.
فكن أيها التالي والتالية لكتاب الله قرآناً يمشي على الأرض بأخلاقك، فإذا فعلت ذلك حققت شهادة عائشة رضي الله عنها في حق بعلها صلى الله عليه وسلم لما سُئلت عن خلقه. قالت بعبارة أوجز وأدق:
” كان خُلُقُهُ القرآن”، وستكون من أهله حقاً.
وهناك سؤال يؤرقني باستمرار ويراود شريحة من الملتزمين: هل نحن بالفعل مدرجون ضمن زمرة أهل القرآن؟
فكثيراً ما نربط “أهلية القرآن” بختم الحفظ ومعرفة الترتيل ومحاكاة المزمار الداودي، وحصد الجوائز بالمقامات المبالغ فيها عند أهل الشأن والثَّبْتِ، لكن الميزان عند العلماء النحارير يختلف عن هذه النظرة والتوجه. إذ أجمعوا كلهم على أن أهل القرآن هم: من يقرأ ليفهم مراد الله. من يجعل الآية دستوراً ليومه (في صدقه، في بِره، في صلاته، في شؤونه كلها).
الحفظ “نور”، لكن العمل هو “جني ثمرة ذلك النور المؤدي للتقوى الصادقة “. فمن عمِل بما علِم، وإن لم يحفظ الحروف، فهو عند الله من أهله.
فلنقرأ بتمهل متوقفين عند عجائب صنعة الخالق وإبداعه عسى أن تتحرك قلوبنا فتلين وتخشع للخالق الرازق.
فالقرآن أيها القارئ (ة) رسالة من الله إليك؛ فلا نكتفِ بقراءة الرسالة دون تنفيذ مضمونها كما قال ابن القيم، إذ العبرة بإقامة “الحدود” لا بمجرد إقامة “الحروف”.
والعبرة كذلك ليست بمجرد الصَّدْح بتزيين الحناجر، بل بالقلوب والمشاعر…آهــ.
والكلام في هذا يطول، وسأختم بآية تُجَلي هذا المَقُول، وهي مرقومة في قوله تعالى حصرا للمؤمنين الصادقين بشهادة رب العالمين بسورة الأنفال إليكم البيان المبين: ” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(4)”.
قال ابن الخطيب بمعرضها: ” ليقرأ هذه الآية وليتدبرها كل مؤمن، وليعرضها على نفسه، فإن وجدها تنطبق على صفاته فليهنأ بما آتاه الله من فضل، وإن وجدها في وادٍ وهو في واد، فليلجأ إلى الرحيم الودود، وليجأر إلى اللطيف الحميد أن يصفي قلبه ويزيده إيمانا وتوكلا، ويوفقه لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فنعم القريب ونعم المجيب، وليكن هذا بإخلاص قلب وصدق طوية”.
{فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ}.
وبهذا تمام وختم الكلام لمن ألقى السمع وهو شهيد. تحياتي واحترامي وتقديري ومودتي للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى