رأي

تداعيات القمة الإفريقية الفرنسية

نورالدين قربال

انعقدت القمة الإفريقية الفرنسية بالعاصمة الكينية نيروبي يومي 11و12 ماي 2026. كان الحضور وازنا يبرز الأبعاد الجيوسياسية لهذا اللقاء. حيث تمت مناقشة التحديات الأمنية، والتنمية الاقتصادية، وسبل جذب الاستثمارات، ومراجعة الديون السيادية. للإشارة فإن انعقاد القمة كان بدولة ناطقة بالإنجليزية لأول مرة، فهل هذا يعني أن فرنسا تخلت عن البعد الثقافي كأولوية، أم أن الأمر متعلق باختيارات جيوسياسية التي آمنت بأن الاختيار الاقتصادي والأمني مدخل للاختيارات الثقافية انطلاقا من دولة كانت مستعمرة من قبل المملكة المتحدة؟ أم أن فرنسا بعد العلاقات المضطربة مع غرب إفريقيا اقتحمت تجربة جديدة انطلاقا من دولة أنجلوسكسونية؟
لقد حضر الأمين العام للأمم المتحدة والبنك الدولي، ليشهدوا خطابا جديدا من قبل كل الأطراف رافعين شعار “التمسك بالسيادة والتحرر من التبعية”. لأن إفريقيا تملك الثروات الطبيعية والبشرية خاصة الشبابية، وقادرة على ضمان التمويل المستدام، لكن للأسف أريد لها أن تعيش توترات جيوسياسية، وأزمات أيكولوجية، وتعثرات اجتماعية، فمن صنع كل هذا بإفريقيا؟ لقد ظهرت فرنسا في هذه الإطلالة الجديدة بوجه جديد يرصد 27 مليار دولار، مساهمتها تقدر ب 50 في المئة، من قبل القطاعين العام والخاص، من أجل بناء اقتصاد أزرق والصحة والتعليم، والزراعة والطاقة والرقمنة وغيرها من القطاعات، من تم عقدت القمة بعنوان كبير: إفريقيا إلى الأمام. بعد تعثر في اللقاءات السابقة التي انطلقت منذ 1973 والتي كانت تعقد إما بفرنسا أو بعض الدول الإفريقية الناطقة باللغة الفرنسية. فهل ستعرف هذه الشراكات والاتفاقيات طريقا إلى التنفيذ أم أنها ستظل حبرا على ورق؟
لقد توافق الجميع على أن القمة انطلاقة جديدة، حسب الظاهر، وتموضع جديد لفرنسا بإفريقيا، وإعطاء الضوء الأخضر لكينيا بدعمها من أجل قيادة هذا الاختيار، ومواجهة التحديات العالمية خاصة ما هو صادر عن الولايات المتحدة والصين، مع تخفيف تكاليف الاقتراض وتسهيل الوصول للائتمان، والاعتماد على فرنسا في طرح قضايا إفريقيا على المجموعة السبع، التي تضم: الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، واليابان، وإيطاليا. بهذا يعتقد الجميع أن إفريقيا تجاوزت المساعدات ودخلت في الاستثمارات المتوازنة والملموسة، من اجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة لسنة 2030.
بهذا النفس تتوق إفريقيا لتكون مساهمة في القرار الدولي وتضمن تمثيلية عادلة بالمنتديات الدولية، والمؤشر على ذلك ما أكد عليه البنك الإفريقي للتنمية أن 15 دولة إفريقية سجلت نموا اقتصاديا تجاوز 5 في المئة خلال سنة 2025. وتعتبر فرنسا الرابعة ضمن كبار المستثمرين داخل إفريقيا، أكثرمن 140 شركة فرنسية بنيروبي.
ساهم المغرب بمداخلة في القمة، معلنا انخراطه في مخرجاتها، ومن أهم المضامين التي طرحت في الرسالة المغربية هو تركيزه على البعد الصناعي في الاقتصاد المغربي، خاصة السيارات والطيران، ثم الهيدروجين الأخضر، والهندسة المالية، باعتبار أن إفريقيا قارة للفرص والحلول والاستثمار، ومن آليات الاستفادة من هذه الفرص التبادل الحر، فلا يعقل أن تظل المبادلات التجارية داخل القارة الإفريقية لا تتجاوز 16 في المئة، في حين تتجاوز 60 في المئة بآسيا وأوربا، لذلك يجب تفعيل المنطقة التجارية الحرة القارية والإفريقية، كما دعا الوفد المغربي إلى مواءمة الإنتاج مع الموارد الطبيعية لكل بلد. فإفريقيا تملك 60 في المئة من أفضل الموارد الشمسية، في العالم، من تم لا بد من تحسين شروط استقبال الاستثمار والولوج إلى التمويل، معلنا انخراط المغرب في الإعلان المشترك.
صفوة القول هل ستنجح فرنسا في تموضعها الجديد بعد أعطاب الفترة السابقة؟ هل ستتوفق إفريقيا في إنجاح الشراكات المتوازنة والملموسة على مستوى الطاقة والبنيات التحتية والأمن والسيادة الغذائية والتطور الرقمي؟ يبدو لي أن أهم شيء من أجل إنجاح هذه المرحلة الجديدة هو الثقة بين كل الأطراف لأن الرأسمال المادي لا يصنع حضارة دون بنية تحتية للرأسمال غير المادي. هذا مرتبط بإحداث بيروسترويكا فكرية ومعرفية كخلفية للإنتاج السياسي والاقتصادي والتنموي.
إن أي اتفاق غير مصحوب بالمأسسة، وتوفير التمويل، والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجاوز منطق القبيلة إلى منطق القارة ومنطق الغنيمة إلى المصلحة العامة، واعتماد آليات التنفيذ والتنزيل والتقييم، سيبقى حبرا على ورق.
إن فرنسا ستواجه مجموعة من الدول التي ربطت علاقاتها بإفريقيا نحو الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وكوريا الجنوبية، والمملكة المتحدة، وتركيا، واليابان، والهند، وباكستان، وغيرها فهل ستنجح فرنسا أن تسل الشعرة من العجين في سياق دولي يتصف بعدم اليقين؟ كيف ستتحرر فرنسا من عقلية الاستعلاء إلى عقلية بناء الإنسان والعمران؟
إن نجاح هذا المشروع الطموح مرتبط بتوقيع شراكات مبنية على العدل، واحترام السيادة الإفريقية، ووضع آليات لقياس درجة التنفيذ والتنزيل، وأخيرا وليس آخرا إن إفريقيا غنية لكن للأسف شعوبها فقيرة والحلول عند الأفارقة أنفسهم في إطار التعاون والتضامن وشراكات جنوب-جنوب ورابح رابح، وهذا لا يمنع من الانفتاح على المنتوج الكوني انطلاقا من سيادة الذات واستقلاليتها، لأنه كما يقال ما حك جلدك مثل ظفرك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى