تهريب معرض الكتاب إلى الرباط… حين تتحول الثقافة إلى غنيمة سياسية!
بقلم : عبدالعزيز رجاء فاعل مدني

منذ نقل المعرض الدولي للنشر والكتاب من الدار البيضاء إلى الرباط سنة 2022، كإجراء مؤقت فرضته جائحة كورونا، لم يتوقف الجدل حول قرار قُدِّم للرأي العام في البداية أنه قرار ظرفي، قبل أن يتحول فجأة إلى “خيار استراتيجي دائم” روجت له وزارة الثقافة باعتباره نجاحًا تنظيميًا وإشعاعًا دوليًا للمغرب.
لكن ما تكشفه السنوات الأخيرة مختلف تمامًا، إذ لم يكن الأمر مجرد نقل معرض من مدينة إلى أخرى، بل كان تعبيرًا صارخًا عن منطق جديد في تدبير الشأن الثقافي يقوم على المركزية المفرطة، وتغليب الصورة الرسمية والبهرجة التنظيمية، كواجهة بروتوكولية تُدار بمنطق النفوذ وربما الربح السياسي لا بمنطق القرب من القارئ المغربي.
فالدار البيضاء لم تكن مجرد مدينة تحتضن معرضًا للكتاب، بل كانت فضاءً جماهيريًا طبيعيًا يلتقي فيه القارئ البسيط بالمثقف والناشر والكاتب. كان المعرض هناك يشبه عرسًا شعبيًا مفتوحًا؛ مدينة كاملة تنخرط في الحدث، وأحياء نابضة بالحياة تستقبل الزوار من مختلف الشرائح الاجتماعية، وفضاءات تعج بالنقاشات الفكرية واللقاءات الثقافية.
أما بعد نقله إلى الرباط، فقد تغيّرت ملامح المعرض بشكل واضح. أصبح أقرب إلى تظاهرة رسمية باردة تُغلفها الخيام الفاخرة والبروتوكولات الثقيلة، وميزانيات متضخمة، والبحث عن اقتناص الصور التذكارية، بينما تراجعت تلك الحيوية الشعبية التي كانت تمنح المعرض الروح الثقافية الحقيقية.
من فضاء قار إلى خيام موسمية…
لسنوات طويلة، كان فضاء “OFEC” بالدار البيضاء يوفر بنية مستقرة تسمح بتنظيم المعرض بتكاليف معقولة نسبيًا، دون الحاجة كل سنة إلى إعادة تركيب معرض مؤقت من الخيام والهياكل والبنيات الموسمية. حيث تتزايد التكاليف بشكل يثير أكثر من علامة استفهام.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن ميزانية المعرض في الدار البيضاء كانت تتراوح بين 8 و12 مليون درهم، بينما قفزت في النسخ الرباطية إلى أكثر من 45 مليون درهم، أي ما يقارب أربعة أضعاف. والمفارقة الصادمة أن هذه الميزانيات الضخمة لم تمنع ظهور اختلالات تنظيمية محرجة:
مشاكل في الولوج، ضعف الخدمات، نقص في مواقف السيارات، قلة المرافق الصحية، وفوضى في التنقل والتنظيم. مما يصبح معه السؤال مشروعًا:
إذا كانت الميزانية قد تضاعفت فعلا بهذا الشكل، فأين ينعكس ذلك فعليًا؟ وأين تذهب كل هذه الأموال؟
مركزية الثقافة… أو حين تبتلع العاصمة كل شيء…
المثير للانتباه أن الخطاب الرسمي يواصل تكرار فكرة أن الرباط “عاصمة الثقافة”، وكأن باقي المدن المغربية مطالبة بالتخلي تدريجيًا عن أدوارها التاريخية لصالح العاصمة الإدارية. وهذا ما جعل كثيرًا من الفاعلين الثقافيين يعتبرون نقل المعرض شكلًا من أشكال “التجريد الثقافي” للدار البيضاء، المدينة التي ارتبط اسمها بهذا الموعد الثقافي لعقود طويلة.
الخطاب الرسمي يردد باستمرار أن الرباط “عاصمة الثقافة” ومن حقها احتضان أكبر التظاهرات. لكن كثيرين يرون أن ما يحدث ليس مشروعًا ثقافيًا بقدر ما هو تكريس للمركزية، حيث تُسحب التظاهرات الكبرى من أحضانها لصالح العاصمة الإدارية مهما كانت الكلفة الثقافية والشعبية.
فالدار البيضاء لم تكن مجرد مدينة تستضيف معرضًا للكتاب، بل كانت فضاءً جماهيريًا طبيعيًا بحكم كثافتها السكانية وحركيتها الاقتصادية وسهولة الوصول إليها من مختلف المدن المغربية. هناك كان المعرض حدثًا شعبيًا مفتوحًا للجميع: الطلبة، التلاميذ، الأسر، القراء البسطاء ،مختلف الشرائح الاجتماعية. يجدون أنفسهم داخل فضاء مفتوح يحتفي بالكتاب دون حواجز طبقية أو بروتوكولية.
أما في الرباط، فقد أصبح المعرض أكثر نخبوية وأقل قدرة على جذب الجمهور الواسع، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف التنقل والإقامة وضعف الجاذبية الشعبية للموقع.
كثير من الفاعلين الثقافيين اعتبروا نقل المعرض نوعًا من “التجريد الثقافي” للدار البيضاء، وحرمانًا لمدينة كاملة من حدث ارتبط بذاكرتها الجماعية لعقود. بل إن البعض يرى أن المغرب يتجه تدريجيًا نحو نموذج “العاصمة التي تبتلع كل شيء”، حيث يتم تفريغ المدن الأخرى من أدوارها الثقافية والتاريخية لصالح قطب واحد يحتكر الضوء والميزانيات والقرار.
أرقام الزوار… بين الدعاية الرسمية والواقع الباهت.
تحرص وزارة الثقافة في كل دورة على تسويق أرقام ضخمة عن عدد الزوار، لكن كثيرًا من الناشرين والمراقبين يشككون في هذه المعطيات، لأن نجاح معرض الكتاب لا يقاس بعدد المحلقين أو المارين أمام البوابات، بل بحجم التفاعل الثقافي الحقيقي، والإقبال اليومي، والمبيعات، وحيوية النقاشات.
ندوات شبه باردة وفوضى صاخبة.
في الدار البيضاء، كان الزحام داخل المعرض مشهدًا يوميًا مألوفًا؛ أروقة مكتظة، وقاعات تضيق بالحضور من الصباح إلى المساء، في صورة تعكس علاقة حقيقية بين المغاربة والكتاب. لم يكن المعرض مجرد فضاء للبيع والشراء، بل كان موعدًا ثقافيًا حيًا ينبض بالنقاش والفكر واللقاءات المفتوحة.
وكانت الندوات الفكرية والثقافية تشكل الروح الحقيقية للمعرض والمساحة التي تمنحه قيمته الثقافية الفعلية. وتتحول إلى مواسم فكرية بكل معنى الكلمة؛ قاعات ممتلئة عن آخرها، جمهور يتابع واقفًا أو جالسًا على الأرض، وحضور كثيف يعكس تعطشًا حقيقيًا للنقاش الثقافي والمعرفي. بينما تمتد طوابير المهتمين خارج القاعات في مشهد نادر داخل التظاهرات الثقافية العربية.
أما في الرباط، فالصورة مختلفة تمامًا. فكثير من المشاركين يؤكدون أن الإقبال يظل ضعيفًا خلال أغلب أيام المعرض، ولا يرتفع نسبيًا إلا في عطلة نهاية الأسبوع أو خلال الأيام الأخيرة. والأوضح من ذلك أن العديد من الندوات تحولت إلى لقاءات باردة بمقاعد شبه فارغة، يحضرها في الغالب جمهور بروتوكولي أو مجاملاتي أكثر منه جمهورًا شغوفًا بالفكر والثقافة.
والأسوأ أن طريقة توزيع فضاءات الندوات خلقت حالة من الفوضى السمعية العبثية؛ أصوات المحاضرين تتداخل، والتصفيقات تتقاطع، والحوارات تختلط ببعضها بشكل يفقد الندوات هيبتها ورصانتها، حتى بدا بعض الفضاءات أقرب إلى “سوق شعبي” صاخب منه إلى تظاهرة ثقافية يُفترض أن تحتفي بالكتاب والفكر والنقاش الهادئ.
عرس شعبي لبيع الكتب… أم واجهة نخبوية لعرضها فقط!
المؤشر الحقيقي لنجاح أي معرض للكتاب لا يُقاس بالأرقام الدعائية التي تُعلن في البلاغات الرسمية، بل بحجم المبيعات وحيوية الحركة الثقافية داخله. وهنا تحديدًا تظهر الفجوة الصادمة بين الدار البيضاء والرباط. فعدد من الناشرين يؤكدون أن مبيعاتهم في الرباط تراجعت بشكل حاد، ولم تعد تصل أحيانًا حتى إلى 60% مما كانوا يحققونه في الدار البيضاء، فيما تحدثت دور نشر صغيرة ومتوسطة عن خسائر فعلية بعدما كان المعرض يشكل بالنسبة إليها موردًا سنويًا أساسيًا يضمن استمرارها. أحد الناشرين اختصر المشهد بمرارة قائلاً :”في البيضاء كنا نبيع الكتب… في الرباط نكتفي بعرضها.”
في الدار البيضاء، لم يكن نجاح المعرض مرتبطًا فقط بحجم المدينة أو عدد السكان، بل أيضًا بطبيعة موقعه وسط محيط شعبي نابض بالحياة. فالمعرض كان محاطًا بأحياء شعبية وحركية تجارية ومطاعم ومقاهٍ في متناول الجميع، ما جعل زيارته ممكنة للعائلات والطلبة وذوي الدخل المحدود دون إحساس بالغربة أو الكلفة. كان الزائر يقضي يومًا كاملًا بين أروقة الكتب ثم يجد بسهولة فضاءات للأكل والاستراحة بأسعار بسيطة، فيتحول المعرض إلى رحلة ثقافية واجتماعية مفتوحة لكل الفئات، لا إلى مناسبة محصورة في طبقة معينة. لذلك كانت كتب الأطفال والروايات والكتب التعليمية والدينية تحقق مبيعات كبيرة وسط حضور شعبي كثيف وحقيقي.
أما في الرباط، فقد تغيّرت الصورة بالكامل. المعرض أصبح أكثر نخبوية وأقل جماهيرية، تحاصره الفيلات الفاخرة وأحد أفخم فنادق العاصمة، في مشهد يوحي بأن التظاهرة باتت موجهة لواجهة بروتوكولية أكثر من كونها فضاءً شعبيًا للمعرفة. يضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف التنقل والإقامة “الظرفية”، وضعف الجاذبية الشعبية للموقع، وطبيعة المدينة “العاصمة “نفسها، فضلًا عن توقيت المعرض الذي يتزامن أحيانًا مع فترات الامتحانات، ما قلّص أكثر من حضور الطلبة والشباب.
وهكذا، فقد المعرض تدريجيًا روحه كعرس ثقافي مفتوح للناس، وتحول في نظر كثيرين إلى تظاهرة رسمية أنيقة تهتم بالصورة والبهرجة أكثر مما تهتم فعلًا بالكتاب والقارئ المغربي.
من المستفيد الحقيقي؟
بعيدًا عن الشعارات الرسمية، يظل السؤال الأكثر حساسية مطروحًا بإلحاح
:من المستفيد الحقيقي من تهريب واستمرار المعرض في الرباط رغم كل هذه الانتقادات؟
في كواليس الصفقات العمومية، يتكرر الحديث عن شركات تستفيد سنويًا من صفقات التركيب والتجهيز والبنيات المؤقتة بمبالغ ضخمة. ومع تضخم الميزانية، يزداد الشك في أن المعرض تحول من مشروع ثقافي إلى سوق موسمي للصفقات والإنفاق العمومي تحت غطاء “الإشعاع الثقافي”.
وفي المقابل، يبقى الناشر الصغير والقراء الحلقة الأضعف: تكاليف أكبر، مبيعات أقل، وإرهاق مالي ولوجستي، بينما تستمر الوزارة في الحديث عن “النجاح الباهر”.
عندما تخسر الثقافة روحها
المشكل ليس في الرباط كمدينة، ولا في حقها في احتضان التظاهرات الثقافية، بل في طريقة اتخاذ القرار وتحويل الثقافة إلى ملف إداري يُدار بمنطق الهيبة والمركزية لا بمنطق الحياة الثقافية الحقيقية.
لقد نجحت الرباط في تقديم صورة أكثر أناقة وفخامة، لكنها فشلت حتى الآن في تعويض الروح الشعبية التي صنعت مجد معرض الدار البيضاء لعقود.
وبين الخيام الفاخرة والأروقة الباردة والميزانيات المتضخمة، يبقى السؤال الذي يهرب منه الجميع:
هل ربح المغرب معرضًا أكثر بروتوكولية… وخسر في المقابل معرضه الأكثر شعبية وحيوية؟




