
من لذة الانتصار المؤقت إلى سقوط الهيبة والرشد
في كل عصر تظهر وسائل جديدة لصناعة الضجيج، لكن الجوهر واحد: استدعاء أشخاص للحديث المستمر عن الآخرين، أو مهاجمة اتجاهات فكرية أو سياسية أو اجتماعية، أو تحويل الإنسان إلى “آلة تعليق” لا تعيش إلا على الخصومة والردود والمعارك.
وفي البداية… قد يشعر المتحدث بلذة خفية: لذة الانتصار، ولذة الظهور، وأحيانًا لذة الانتقام. يشعر أن الناس تستمع إليه، وأن الأضواء تتجه نحوه، وأن كلماته تُحدث أثرًا وضجيجًا.
لكن الخطر الحقيقي لا يبدأ في أول الحديث… بل يبدأ حين تتحول هذه الحالة إلى “إدمان نفسي ومعنوي”؛ فيصبح الإنسان أسيرًا للمعارك، لا يعيش إلا على النقد، ولا يلتفت إلا للخصومات، ولا يشعر بالحضور إلا إذا كان في مواجهة أحد.
وهنا يبدأ السقوط التدريجي؛ من النقد إلى صناعة الوهم. حين تنتهي الوقائع… يبدأ الخيال، وحين تقل المعلومات… يبدأ التوهم، وحين لا يجد الإنسان مادة جديدة للصراع… تبدأ صناعة النيات، وسوء الظن، والتأويل، والدخول في الأعراض والمقاصد الخفية للناس.
وهنا يتحول الحديث من “رأي” إلى بهتان. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
فالإنسان حين يعتاد الحديث عن الناس، قد ينتقل دون أن يشعر من نقل الوقائع إلى اختراعها، ومن النقد إلى التشويه، ومن البيان إلى العدوان.
الاستدراج النفسي الخفي
أخطر ما في هذا الطريق أنه لا يأتي دفعة واحدة، بل هو “استدراج”. قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
في البداية يُستضاف الإنسان لأنه “جريء”، ثم لأنه “صريح”، ثم لأنه “يكشف الأسرار”، ثم يصبح مطلوبًا فقط لأنه يثير الجدل ويشعل الصراع. وهنا تبدأ النفس بالتعلق بالأضواء؛ فيصعب عليها الصمت، ويصبح الهدوء مؤلمًا، وتتحول الخصومة إلى مصدر شعور بالقيمة.
-
قال أحد السلف: “ما رأيت شيئًا أفسد للدين ولا أنقص للمروءة من إطلاق اللسان”.
-
وقال الحسن البصري: “المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب العثرات”.
سقوط الهيبة وفقدان الوقار
الإنسان قد يربح جولة من الجدل… لكنه يخسر نفسه، وقد يكسب التصفيق… لكنه يفقد الهيبة. فالهيبة الحقيقية لا تُبنى على كثرة الخصومات، بل على الرزانة والعدل والإنصاف.
وقد كان العلماء الكبار يكرهون التوسع في المهاترات؛ لأن كثرة الاشتغال بالناس تُفسد القلب وتشتت العقل.
-
قال عبد الله بن المبارك: “إذا رأيت الرجل يذكر مساوئ الناس فاعلم أنه خبيث النفس”.
-
وقال الإمام الشافعي: “ما جادلت أحدًا إلا تمنيت أن يُظهر الله الحق على لسانه”.
هذا هو الفرق بين من يطلب الحق… ومن يطلب الغلبة.
معارك دون كيشوت والطواحين الوهمية
كثير من الناس يدخل معارك لا تنتهي، ويتوهم أنه يحمي العالم أو يطارد الشر المطلق، بينما هو في الحقيقة يقاتل “طواحين هواء”. ينشغل بكل أحد، ويرد على كل شيء، ويغضب من كل فكرة، ويعيش في حالة استنفار دائم؛ فتتآكل روحه بهدوء.
وفي النهاية، لا يبقى في القلب سكينة، ولا في العقل اتزان، ولا في الوجه نور الوقار.
-
قال بعض الحكماء: “ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، بل الذي يعرف خير الشرّين”.
فالإنسان الراشد لا يدخل كل معركة، ولا يرد على كل استفزاز، ولا يجعل حياته ساحة استنزاف دائم.
المقاصد الشرعية وحفظ الكرامة الإنسانية
علماء المقاصد أكدوا أن الشريعة جاءت لحفظ الإنسان لا لتحويله إلى أداة خصومة. وقد تحدث أبو إسحاق الشاطبي عن أن من مقاصد الشريعة تهذيب النفوس ومنع الفساد والعدوان والبغي.
كما أكد محمد الطاهر بن عاشور أن من أعظم مقاصد الأخلاق الإسلامية: حفظ كرامة الإنسان، وصيانة المجتمع من التحريش والتباغض وإشعال الفتن. فالخطاب الذي يقوم على التشهير، واقتحام النيات، وتغذية الكراهية، ليس خطاب إصلاح… حتى لو لبس لباس الحكمة أو الحرص أو الغيرة.
المؤمن ليس صياد أخطاء
قال رسول الله ﷺ:
“من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.” (صحيح البخاري)
وقال ﷺ:
“بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم.” (صحيح مسلم)
ولذلك كان السلف يخافون من اعتياد الخوض في الناس؛ لأن القلب إذا اعتاد ذلك قسا، وإذا قسا استلذّ الأذى، وإذا استلذ الأذى فقد جزءًا من إنسانيته.
خلاصة الحكي البريء
ليس كل من يكثر الكلام شجاعًا، ولا كل من يهاجم الآخرين صاحب قضية، ولا كل ضجيج بطولة.
أحيانًا يكون الصمت رشدًا، والتجاوز حكمة، والانشغال بإصلاح النفس أشرف من الانشغال الدائم بعيوب الناس. فالإنسان الراشد لا يسمح أن يتحول إلى أداة في سوق الخصومات، ولا يبيع وقاره من أجل لحظة تصفيق، ولا يستهلك عمره في مطاردة الطواحين الوهمية.
لأن أعظم الانتصارات… أن ينجو الإنسان بقلبه، وأن يحفظ لسانه، وأن يبقى كريم النفس مهما اشتد ضجيج العالم من حوله.




