
أعاد تقرير «جودة النخب 2026» الصادر عن مؤسسة «خلق القيمة» الدولية، بشراكة مع جامعة «سانت غالن» السويسرية، فتح أحد أكثر الملفات حساسية في المغرب، والمتعلق بمدى كفاءة النخب السياسية وقدرتها على تحويل السلطة إلى تنمية حقيقية قائمة على خدمة الصالح العام. ويقيس هذا المؤشر الدولي مدى قدرة النخب الحاكمة على خلق القيمة المستدامة للمجتمع، مقابل نزوعها نحو استخلاص القيمة عبر تكريس الريع، واحتكار الموارد، وتوجيه السياسات العمومية لخدمة مصالح فئوية ضيقة.
وحين تكشف المؤشرات الدولية عن تراجع المغرب بشكل لافت، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد مرتبة تقنية عابرة، بل بمؤشر يعكس اختلالات عميقة في النموذج التدبيري والسياسي القائم. فقد سجل المغرب، وفق تقرير سنة 2026، تراجعاً إلى المرتبة 92 عالمياً من أصل 151 دولة، كما تراجع بـ33 مرتبة مقارنة بسنة 2021، حين كان يحتل المرتبة 59 عالمياً (خلال أواخر ولاية حكومة العدالة والتنمية). ورغم ما وُجه إلى تلك المرحلة من انتقادات، فإن ذلك الترتيب كان يعكس، وفق العديد من القراءات، حداً أدنى من التوازن الاقتصادي ومن مقاومة تغول الاحتكارات المباشرة في صناعة القرار العمومي.
وتتجاوز الأزمة الحالية حدود التعثر التواصلي أو الزلات السياسية الظرفية، لتكشف عن أزمة نموذج سياسي قائم بدرجة كبيرة على هندسة الصورة أكثر من هندسة الإنجاز، وعلى تضخم نفوذ شبكات اقتصادية ومالية نجحت في تكريس منطق الريع على حساب المصلحة العامة.
من السياسة إلى التسويق: حين تتقدم الصورة على الإنجاز
خلال مرحلة التدبير الحكومي الممتدة بين 2011 و2021، واجه المغرب ضغوطاً اقتصادية واجتماعية معقدة، شملت احتجاجات اجتماعية واسعة، وعجزاً مالياً هيكلياً، وكلفة إصلاح صندوقي المقاصة والتقاعد، إضافة إلى تداعيات الربيع العربي وجائحة كورونا. ورغم الانتقادات التي وُجهت إلى تجربة العدالة والتنمية، فإن النقاش العمومي آنذاك كان يتمحور أساساً حول مضمون السياسات والقرارات العمومية، لا حول مستوى الأداء التواصلي أو ضعف الخطاب السياسي داخل المؤسسات.
في المقابل، تبدو الحكومة الحالية، في نظر العديد من المتابعين، نتاجاً لتحالف تكنوقراطي ـ مالي واسع، تقوده شبكات المصالح الاقتصادية أكثر مما تؤطره الاعتبارات السياسية أو التمثيلية الشعبية. وقد تحول جزء مهم من النقاش العمومي إلى مادة للسخرية بسبب تكرار الزلات التواصلية وعجز بعض القيادات الحكومية عن تقديم دفاع سياسي مقنع عن اختياراتها، بما أثر سلباً على صورة المؤسسات وثقة المواطنين.
النخب تحت مجهر القضاء: المال والنفوذ بدل الكفاءة
لا تقتصر أزمة النخب على ضعف الأداء التواصلي أو محدودية النجاعة التدبيرية، بل تمتد إلى اتساع دائرة المتابعات القضائية التي تطال عدداً من المنتخبين والمسؤولين المحليين. فوفق معطيات متداولة في تقارير حقوقية ومتابعات النيابة العامة، يواجه عدد من البرلمانيين ورؤساء الجماعات الترابية والمستشارين اتهامات تتعلق بتبديد واختلاس المال العام، والتزوير، والارتشاء، وتبييض الأموال، إضافة إلى قضايا مرتبطة بالاتجار في المخدرات.
وتتجلى المفارقة في كون جزء مهم من هذه المتابعات يهم منتخبين ينتمون إلى أحزاب الأغلبية الحكومية، التي ارتبط اسم بعض قياداتها ومنتخبيها بملفات أثارت اهتماماً واسعاً لدى الرأي العام، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة النخب التي أفرزتها الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة.
ورغم أن بعض أحزاب المعارضة لم تكن بمنأى عن هذه الظاهرة، فإن تمركز عدد كبير من المتابعات داخل نخب الأغلبية يثير تساؤلات جوهرية حول معايير الفرز السياسي وآليات منح التزكيات الحزبية، ومدى ارتباط الصعود الانتخابي بالكفاءة والنزاهة، مقابل تنامي تأثير المال والنفوذ في توجيه المنافسة الانتخابية. وقد أفرز هذا الواقع، بحسب عدد من المتابعين، نخبة تعاني هشاشة سياسية وأخلاقية، تُتهم بتغليب المصالح الخاصة والشبكات الزبونية على مقتضيات المصلحة العامة والحكامة الجيدة.
تضارب المصالح واتساع الفوارق الاجتماعية
تطرح التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة سؤال «جودة النخب» بحدة متزايدة، خاصة في ظل تصاعد الإحساس الشعبي بتضارب المصالح وتداخل المال بالسلطة. فقد أثار سحب مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع من البرلمان انتقادات واسعة من طرف هيئات حقوقية، اعتبرت الخطوة مؤشراً سلبياً على تراجع مسار ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وقد أسهمت هذه المؤشرات في تعزيز الإحساس باتساع الفوارق الاجتماعية وتنامي التفاوت في توزيع الثروة. ففي الوقت الذي كانت فيه فئات واسعة من المغاربة تواجه ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار المحروقات والمواد الأساسية، إلى جانب تراجع مستمر في القدرة الشرائية، سجلت مؤشرات الثراء الفاحش بالمملكة ارتفاعاً ملحوظاً.
فقد كشفت تقارير الثروة في إفريقيا لسنة 2026، الصادرة عن مؤسستي «هنلي وشركاؤه» و«الثروة العالمية الجديدة»، عن ارتفاع عدد الأثرياء الذين تتجاوز ثرواتهم الصافية 30 مليون دولار بنسبة 41.6%، بعدما انتقل عددهم من 305 أشخاص سنة 2021 إلى 432 شخصاً سنة 2026.
وقد غذّت هذه المؤشرات شعوراً متزايداً باتساع الفوارق الاجتماعية، خاصة مع تحقيق بعض القطاعات الاقتصادية الحيوية، وعلى رأسها قطاع المحروقات، أرباحاً مرتفعة خلال فترة اتسمت بتدهور القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة.
سوق الشغل: وعود انتخابية تصطدم بالواقع
تكشف الوضعية المقلقة لسوق الشغل بالمغرب عن عمق أزمة النخب السياسية والاقتصادية، والتي تتجلى بوضوح في الفجوة الصارخة بين الوعود الانتخابية والواقع البنيوي المعاش.
فقد وعد البرنامج الحكومي بإحداث مليون منصب شغل صافٍ خلال خمس سنوات، غير أن المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أظهرت استمرار معدلات البطالة في مستويات مرتفعة. إذ تجاوز عدد العاطلين عن العمل 1.6 مليون شخص خلال سنة 2025، مع تسجيل معدلات بطالة مرتفعة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا، حيث تجاوزت نسبة البطالة لدى الشباب بين 15 و24 سنة حاجز 35%، بينما قاربت 25% لدى حاملي الشهادات العليا.
كما شهد العالم القروي فقدان مئات الآلاف من مناصب الشغل، خاصة في القطاع الفلاحي، بفعل التغيرات المناخية وضعف البدائل التنموية. وفي المقابل، اتسعت فئة الشباب خارج التعليم والعمل والتكوين (NEET)، بما يعكس محدودية السياسات العمومية في إدماج الطاقات الشابة ضمن الدورة الاقتصادية والاجتماعية.
وتبرز هذه المؤشرات، وفق العديد من التحليلات، أن جزءاً من المقاربة الحكومية ظل قائماً على منطق تدبيري ذي بعد تواصلي وتسويقي، أكثر من كونه رؤية اقتصادية قادرة على خلق فرص شغل مستقرة ومستدامة.
اقتصاد هش أمام الأزمات الدولية
لا تقف أزمة النخب السياسية والاقتصادية عند حدود سوء التدبير الداخلي، بل تمتد إلى العجز الهيكلي في ابتكار حلول مرنة للأزمات المستوردة. فبدل بناء اقتصاد وطني مقاوم للصدمات، ظلت المقاولات المحلية، خاصة الصغرى والمتوسطة، ضحية مباشرة للتقلبات الجيوسياسية، كالحرب الروسية الأوكرانية والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.
وأمام اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأولية، لجأت النخب الحكومية، وفق منتقديها، إلى الخطاب التبريري وربط الفشل بالأزمات الدولية، بدل تقديم خطط إنقاذ استباقية وملموسة لحماية النسيج المقاولاتي. وهو ما فاقم حالات الإفلاس وتسريح العمالة، وعمّق أزمة البطالة البنيوية.
الهدر القيمي والمعرفي: حين يتحول التعليم إلى مصنع للعطالة
تعتبر المؤشرات المتعلقة ببطالة حاملي الشهادات العليا وتنامي فئة الشباب خارج التعليم والعمل والتكوين الإدانة الأكبر لسياسات النخب، لأنها تعكس فصاماً تدبيرياً بين نخب تخطط للتعليم والجامعات ونخب تدبر الاستثمار وسوق الشغل، ما يخلق تعليماً ينتج العطالة بدل الثروة.
كما يكشف هذا الواقع عجزاً واضحاً عن إدماج الطاقات الشابة وتجديد النخب نفسها، وتحويل الرأسمال البشري من رافعة للتنمية إلى مصدر للاحتقان الاجتماعي وفقدان الثقة.
«مدارس الريادة»: إصلاح تربوي أم واجهة تواصلية؟
قدمت الحكومة مشروع مدارس الريادة باعتباره مدخلاً لإصلاح المدرسة العمومية، غير أن المشروع أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط التربوية والنقابية. ويرى منتقدوه أنه يعكس مقاربة تكنوقراطية تركز على التسويق الإعلامي أكثر من معالجة الأعطاب البنيوية للمنظومة التعليمية.
ومن أبرز الانتقادات الموجهة للمشروع غياب إطار تشريعي واضح ومستدام، واعتماد مقاربة عمودية في التنزيل، وضعف إشراك الفاعلين التربويين. كما أثارت بعض المضامين والأنشطة الموازية جدلاً مجتمعياً دفع الوزارة إلى التراجع عن بعضها تحت ضغط الانتقادات.
إلى جانب ذلك، سجلت اختلالات لوجستية وتدبيرية مرتبطة بطباعة وتوزيع الكراسات والمقررات، وهو ما اعتُبر مؤشراً على ضعف الحكامة رغم الإمكانيات المعلنة. كما يُخشى من أن يؤدي التركيز على مؤسسات محددة ضمن المشروع إلى تعميق الفوارق التعليمية بدل تكريس مبدأ تكافؤ الفرص.
الصحة والحماية الاجتماعية: أرقام التغطية لا تعني العدالة الصحية
يُعد قطاع الصحة من أكثر المجالات التي تعكس اختلالات التدبير العمومي، رغم الشعارات المرتبطة بتعميم التغطية الصحية. فالمرفق الصحي العمومي ما يزال يعاني خصاصاً في الموارد البشرية وهجرة متزايدة للأطر الطبية، إلى جانب ضعف البنيات الصحية.
وتبرز معاناة المسنين (بشكل خاص فئة المتقاعدين) ، الذين يواجهون تكاليف مرتفعة للعلاج والأدوية في ظل محدودية التغطية الصحية وضعف المعاشات. كما أثار الانتقال من نظام «راميد» إلى نظام «أمو تضامن» جدلاً واسعاً بسبب اعتماد معايير رقمية مرتبطة بالسجل الاجتماعي الموحد، والتي أدت إلى إقصاء عدد من الأسر الهشة من الاستفادة من خدمات الدعم الصحي.
ويرى منتقدو هذا التوجه أن المقاربة الرقمية البحتة في تدبير الحماية الاجتماعية أفرزت اختلالات اجتماعية وإنسانية، خاصة بالنسبة للفئات الهشة التي وجدت نفسها خارج منظومة الاستفادة بسبب معايير تقنية معقدة.
تضييق النقد العمومي… حين تتحول أزمة النخب إلى أزمة ثقة في الديمقراطية
يرى عدد من الفاعلين الحقوقيين أن المرحلة الحالية تعرف اتجاهاً نحو تضييق فضاءات النقد العمومي، سواء من خلال بعض التعديلات القانونية أو عبر توظيف ترسانة قانونية لتقييد النشر والتدوين. ومن أبرز النقاط المثيرة للجدل التعديلات المرتبطة بقانون المسطرة الجنائية، والتي حدّت من إمكانية تقديم الجمعيات الحقوقية لشكايات مباشرة في قضايا الفساد المالي. كما تُتهم بعض المنابر الإعلامية بالتخلي عن دورها الرقابي والتحول إلى أدوات للدفاع عن الأداء الحكومي ومهاجمة الأصوات المنتقدة، بما ينعكس سلباً على جودة النقاش العمومي ومستوى التعددية الإعلامية.
ولا يمكن فصل هذا المناخ عن أزمة النخب نفسها، لأن النخب السياسية القوية والواثقة من مشروعها المجتمعي تُوسّع عادةً هامش النقاش العمومي وتعتبر النقد آلية للتقويم والمحاسبة، لا تهديداً ينبغي احتواؤه. أما حين تعجز النخب عن إنتاج إنجازات ملموسة أو عن بناء شرعية قائمة على الكفاءة والثقة، فإنها تميل تدريجياً إلى تعويض ضعف الوساطة السياسية بتقوية أدوات التحكم في المجال العمومي والإعلامي.
ومن هنا، تبدو أزمة الحريات وتراجع الوساطة الديمقراطية انعكاساً مباشراً لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة النخب التي تدبر الشأن العام. فكلما تراجعت الأحزاب والنقابات والمؤسسات الوسيطة عن أداء أدوارها التأطيرية والرقابية، توسعت هيمنة شبكات المال والنفوذ، وتقلصت قدرة المجتمع على إنتاج نقاش سياسي حقيقي قائم على البرامج والمحاسبة.
وتكشف مختلف المؤشرات أن أزمة النخب في المغرب لا ترتبط فقط بأداء أشخاص أو حكومات بعينها، بل بطبيعة النسق السياسي والاقتصادي القائم على تركيز الثروة والنفوذ داخل دوائر محدودة. ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة:
- تعثر تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
- تنامي تأثير الرأسمال المالي والريعي في القرار السياسي.
- إضعاف الوساطة الحزبية والنقابية.
- تغليب الولاءات والشبكات المصلحية على معايير الكفاءة والنزاهة.
ورغم ما سجل على الحكومات السابقة من اختلالات، فإن المقارنة تبرز أن جزءاً من الرأي العام كان ينظر إليها باعتبارها أكثر قدرة على تحمل الكلفة السياسية ومواجهة الشارع بشكل مباشر، مقارنة بالمرحلة الحالية التي تتوفر فيها إمكانيات مالية وإعلامية أكبر، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على تحسين ملموس لشروط عيش المواطنين.
المغرب أمام سؤال الثقة لا سؤال الأرقام فقط…
يكشف تقرير «جودة النخب 2026» عن أزمة مركبة تتجاوز حدود الأداء الحكومي الظرفي، لتطرح سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة النخب السياسية والاقتصادية ومدى قدرتها على بناء الثقة وتحقيق العدالة الاجتماعية.
فالمغرب اليوم لا يواجه فقط تحديات اقتصادية واجتماعية، بل يواجه أيضاً أزمة مصداقية تمس علاقة المواطن بالمؤسسات وبالفاعلين السياسيين والإعلاميين. وفي ظل اتساع الفوارق الاجتماعية وتراجع الثقة في الوسائط التقليدية، تبرز الحاجة إلى نخب تمتلك الكفاءة والاستقلالية والشجاعة الأخلاقية، وقادرة على إعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها خدمة للصالح العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ نموذج تنموي يوازن بين الفعالية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.




