
ليست الحملات التي تستهدف الأستاذ عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ورئيس الحكومة الأسبق جديدة، ولا هي وليدة لحظة سياسية استثنائية، فمنذ سنوات، وفي كل محطة انتخابية أو سياسية حساسة، يعود نفس الخطاب، ونفس الأسلوب، ونفس التهمة الجاهزة، وهي محاولة تصوير الرجل وكأنه في حالة خصومة مع المؤسسة الملكية أو في موقع منازعة للشرعية أو للحكم.
وهي لازمة محفوظة تتكرر كلما ارتفع صوت بنكيران في قضية كبرى، أو كلما استطاع أن يعيد النقاش السياسي إلى الواجهة، أو كلما نجح في استقطاب اهتمام الرأي العام وإحراج خصومه سياسيا وشعبيا.
لقد جُرّبت هذه الحملات طويلا، وفي ظروف مختلفة، واستُعملت فيها وسائل متعددة، من التسريبات والتأويلات المبتورة، إلى التحريض الإعلامي والتضخيم المقصود لبعض التصريحات، لكنها في النهاية لم تنجح في تحقيق أهدافها، والسبب بسيط، وهو أن الدولة تعرف الرجل جيدا، والملك يعرفه ربما أكثر من الجميع.
فالملك محمد السادس عيّن بنكيران رئيسا للحكومة مرتين بعد تصدر حزب العدالة والتنمية للانتخابات سنة 2011 و2016، وتعامل معه طيلة سنوات في إطار من الوضوح والثقة والاحترام المؤسساتي بل إن الرسائل الملكية الموجهة إليه في أكثر من مناسبة، وخاصة بمناسبة انتخابه أمينا عاما للحزب، تضمنت عبارات واضحة، تؤكد تقدير المؤسسة الملكية لوفائه للدولة، وإخلاصه للملك، وحرصه على الثوابت الوطنية.
ولذلك فإن الذين يواصلون تسويق هذه الرواية يدركون في قرارة أنفسهم أنها لا تقنع الدولة ولا المؤسسات، لكنهم يراهنون على شيء آخر، وهو صناعة الخوف.
إنها محاولات مستمرة للضغط على بنكيران، ودفعه إلى التزام الصمت، وربما عدم الترشح لانتخابات شتنبر 2026، أو تخفيف لهجته، أو التراجع عن الخوض في القضايا الكبرى التي تشغل المغاربة، لأن المشكلة الحقيقية بالنسبة للبعض ليست في الشرعية، بل في أن الرجل ما يزال قادرا على خلق النقاش، وتحريك المياه الراكدة، وجعل المعارك السياسية تدور تحت الأضواء الكاشفة، بدل أن تُحسم في الغرف المغلقة أو عبر حملات التوجيه والتضليل.
بنكيران، شاء خصومه أم أبوا، أعاد من جديد لجزء من المغاربة الاهتمام بالسياسة، وجعل فئات واسعة تتابع النقاش العمومي وتتفاعل معه، ولذلك فإن هؤلاء الخصوم يدركون أن مواجهته سياسيا تحتاج إلى خطاب وحضور ومصداقية، وهي أمور لا توفرها الحملات الإعلامية ولا الجيوش الإلكترونية والإذاعية.
المفارقة أن بعض الذين يرفعون اليوم شعار الدفاع عن المؤسسات، هم أنفسهم من لا يظهر لهم أثر حين يتعلق الأمر بالدفاع الحقيقي عن الوطن أو مواجهة الاختلالات أو الانتصار لقضايا المواطنين، لكنهم يستفيقون فجأة كلما تحدث بنكيران، فيتحولون إلى حرّاس مزعومين للشرعية وللمؤسسات، ويوزعون صكوك الوطنية والولاء بحسب المزاج السياسي والحسابات الانتخابية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن هذا الأسلوب مستهلك، ولم ينتج يوما الأثر المرجو، فلا بنكيران توقف عن قول ما يعتقده، ولا المغاربة أصبحوا يقتنعون بسهولة بهذه الحملات الموسمية، ولا الدولة في حاجة إلى وسطاء يشرحون لها من هو بنكيران أو ماذا يمثل.
إن الاختلاف السياسي حق، وانتقاد بنكيران أو معارضته حق كذلك، بل هو جزء طبيعي من أي نقاش ديمقراطي محترم، لكن تحويل كل موقف سياسي أو تصريح مثير للنقاش،او حتى خطأ في التعبير، إلى مادة للتخوين والاتهام والمزايدة في الوطنية، يكشف أزمة حقيقية في منسوب الثقة بالنفس لدى بعض الفاعلين، أكثر مما يكشف خطرا على الدولة أو المؤسسات.
وتبقى الحقيقة الأوضح، أن علاقة الدولة المغربية بمؤسساتها الكبرى، لا تُبنى على الحملات الفيسبوكية، ولا على المقالات والبرامج والإذاعية او “اليوتوبية” الموجهة، ولا على محاولات الاصطياد السياسي الرخيص، بل تُبنى على المعرفة الدقيقة بالرجال، وعلى تراكم المواقف، وعلى تقدير الدولة لمن خدمها بإخلاص داخل المؤسسات وتحت سقف الثوابت الوطنية.




