
هذا عنوان لكتاب من تأليف المفكر إدغار موران، واعتبره مدخلا إلى الفكر المركب، والذي ترجمه السيدان أحمد القصوار ومنير الحجوجي، والذي صدر عن دار توبقال سنة 2004. انطلق فيه الفيلسوف من عنوان العقل الأعمى، باعتبار أن إصلاح الفكر مدخل إلى الفكر المركب. وبقدر ما تتقدم المعارف في الضفة الأخرى يترعرع العمى والجهل والخطأ. من تم لابد من التأسيس للنسقية. خاصة عندما يرتبط الجهل بفك طلاسيم العلم، والتوظيف المنحط للعقل، والتلاعب بالبيئة.
هذه الاختلالات راجعة لعدم تنظيم المعرفة، إذن كيف ننظم المعرفة؟ المشكل هو وجود أفكار خفية تتحكم فينا ولا نشعربها. هناك يبرز الالتباس خاصة عندما يحصل التعصب للرِؤى، والرؤية تغير العالم، إذن كيف نتحرر من تعدد الرؤى في أفق التكاملية والنسقية والتركيز والترتيب والمطابقة بدل المفارقة؟ بل كيف نتحرر من أحكامنا المسبقة وأهوائنا ومصالحنا التي غالبا تكمن وراء افكارنا؟
إن منظومة التبسيط تعتمد على الاختزال والتجريد والفصل كما وقع بين الفلسفة والعلم، أو كما وقع بين الفيزياء والبيولوجيا وعلم الإنسان، والادهى من هذا كله عندما يختزل المركب في البسيط. فهل نوحد بشكل مجرد على حساب التنوع أو العكس؟ بهذا ننتج العقل المدمر الذي يدمر كل شيء. خاصة عندما يتحرر من البيئة المنتجة إلى التعميم. لقد أصبحت المعرفة تختزن بدل أن تناقش وتتداول، وهذا جهل كذلك عند بعض العلماء، بهذا تنتشر البلادة، والجهل، والاحتكار، والمحاكاة. لقد أصبحنا نعيش بين الفردانية والشمولية.
للخروج من هذا يلزمنا الابتكارفي إطار الفكر المركب الذي أصبح ضرورة معرفية، تجنبا للتعقيد، فالتنظيم الذاتي المرتبط بمحيطه يؤسس للاستقلالية، صحيح أن الغوص في الفكر المركب مغامرة، لكنها ضرورة علمية ومعرفية. إن الانطلاق هو تحرير مناط المنهج، بناء على المنطق والحوار، والوحدة المتعددة، هادفين إلى تأسيس علم واع، يعتمد العقل في بناء النسقية والانسجام الفكري، فالعقلانية رؤية والعقلنة منهج فليس هناك معرفة بسيطة، ولكن مبسطة، من إدراك بعض القوانين، فالمركب هو الأصل والمبسط هو الاستثناء.
إذن كيف ننتقل من التبسيط إلى التعقيد؟ الإنسان مدمج في الحياة الطبيعية، ولكنه لا يمكن اختزاله فيها. لذلك لا بد من معرفة الإنسان. هذا سؤال معقد يحتاج إلى فكر مركب. المهم ليس الانتصار إلى التبسيط أو التعقيد، ولكن صناعة رؤية نسقية أو نظرية إن صح التعبير، وهو تجميع تركيبي لعناصر مختلفة. هذه النسقية تنطلق من الملاحظة، ولكن لا تسكن فيها. من تم فالنسقية ثلاثة أقسام: نسقية خصبة، ونسقية فضفاضة وسطحية، ثم تحليل النسق.
لقد أبدع المؤلف مصطلح النسق المفتوح، يحمل دينامية وحرارة، يقابله النسق المغلق، وهناك العلاقة البيئية النسقية. إن النسق المفتوح يتخذ بعدا منظوماتيا. لقد وردت مؤلفات في هذا المقام نحو نظرية النسق العام، المفارقة والنسق، ومفهوم النسق السياسي. فنظرية الانساق أصبحت تستجيب لحاجة ملحة أكثر فأكثر. للإشارة فإن المبالغة في التجريد تبعد عن الملموس.
لقد تم ربط المعلومة بالتنظيم، فهي مقولة مركزية تشكل إشكالية. إنها مظهر تواصلي، داخلة في منظومة التواصل. كذلك هي مظهر إحصائي، ثم اخذت بعدا تنظيميا، إذن المعلومة في حاجة إلى تعميق الرؤية، فلا مكان لتشيئها، لأنها هي بداية المسير وليست نهايته. لكن ما موقع التنظيم من المعلومة؟
بدأ الاهتمام بالتنظيم عندما تم الانتقال من العضوي إلى التنظيمي، لأن العضوية مفهوم تلفيقي، والتنظيم منسجم لأنه يجمع بين البيولوجي والاجتماعي. بذلك يعطي التنظيم للأمور معنى. قد يكون التنظيم ذاتيا لأنه حي، بالتالي تتميز فردية النسق. من تم تتأسس الاستقلالية. للإشارة فإن التعقيد نشأ تقليديا وليس علميا، اهتمت به الفلسفة ابتداء، وتأسس العلم بين التعقيدين، عندما بدا الحديث عن نسق منظم لذاته.
عنما نتتبع مضامين هذا المؤلف الذي يجعل الفكر والمستقبل مدخلا إلى الفكر المركب، يمكن تسجيل ما يلي:
1-الانطلاق من التبسيط إلى التعقيد، والمشترك بين الذات والموضوع، والانسجام والانفتاح الابستيمولوجي، واعتماد مفاهيم العلم المتجدد، والبحث الدائم عن الوحدة والتكامل داخل العلوم، والاستمرارية في مراجعة الذي يبدو منبوذا، والتشبث بمفهوم المنظومة.
2-التوفيق بين منظومتي البساطة والتعقيد، والبحث عن جوانب الاستقرار للتبني ومظاهر الاختلال للتخلي، انطلاقا من تنظيم الذات، والاستقلالية، والتحرر من التعقيد إلى الاكتمال، وتوظيف آليات العقل والعقلانية والتبرير العقلاني، والاهتمام بالمفاهيم المؤسسة والكونية، واعتماد آليات الحوار ضمانا لاستمرارية الوجود والتوالد، مع استحضار البعد المؤسساتي للمبادئ، وعدم احتقار أي جزئي، لأنها قد تكون إضافة نوعية للتقدم العلمي، لأنه كما ورد في المؤلف: يوجد الكل في الجزء الذي يوجد في الكل.
3-إذا سلمنا بمنظومة الترابط بين المبسط والتعقيد، فالأولى ربط هذا الأخير بالفعل، لأن الفعل منفلت وغائب عن المقاصد إذا لم يتحكم فيه، وعدم التمييز بين العادي وغيره، والاستعداد دوما لغير المتوقع، قد يتخذ التعقيد أشكالا مختلفة نحو: المعرفة المبسطة، ثم التنبؤ بعدم التحقق الكامل، وصعوبة في الفهم واستفزاز بنيتنا الذهنية، أنذاك نعيش ثلاث علل: العلة الخطية والعلة الدائرية والعلة الارتدادية. إذن كيف ننتقل من التنظيم الذاتي إلى تنظيم ذاتي في علاقة بالمحيط؟ قد يحصل العيش والتعامل مع الاختلال من خلال استراتيجية البرامج والتنظيم، أو علاقات تكاملية، ولكن متصارعة، في هذه الحالة نحتاج إلى التضامنات المعيشة.
4-هل للتعقيد ابستمولوجيا؟ جوابا على هذا السؤال يجب الحديث على أنواع سوء الفهم، من خلال مدارسة العلم، مع استحضار المقاربات الممكنة للتعقيد، وتتبع التطور العلمي، والحذر من التشويش المعلوماتي، وضبط العلاقة بين المعلومة والمعرفة، والمنظومة والأيديولوجيا، والعلم والفلسفة، والعلم والمجتمع، والعلم وعلم النفس، وحدود الكفاءات، وجدلية التجلي والتخفي، وكيفية هجر المفاهيم، وتوظيف العقل.
خلاصة المؤلف كما ركز عليه المترجمان تتجلي في أن الأبستمولوجيا المركبة هي الأطروحة المركزية للأعمال الفكرية، لأنها مساعدة على تمثل الوجه الجديد للعالم، الذي هو أصلا مركب ودينامي ومتنوع، فحذار من تشويه وجه العالم وعولمة هذا التشويه.




