رأي

تغيير مهام بعثة المينورسو انتصار جديد للديبلوماسية المغربية وتنزيل حقيقي للقرار الدولي 2797.

محمود امري نائب برلماني سابق

لقد ظلت قضية مراجعة مهمة بعثة المينورسو مهمة صعبة بل مستحيلة سواء عبر توسيع تفويضها أو تقليصه،وقد جوبهت كل المطالبات بتوسيع هذه المهام برفض قاطع سواء من طرف المغرب او جبهة البوليساريو ولعل آخرها الطلب الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية في أبريل سنة 2013 لتوسيع مهام البعثة لمراقبة وضعية حقوق الإنسان سواء بالأقاليم الجنوبية أو بمخيمات تندوف بجنوب الجزائر ،تقترح فيها توسيع صلاحيات بعثة حفظ السلام بشكل يسمح لها بمراقبة أوضاع حقوق الإنسان هناك ولكن إقتراحها قوبل برفض كبير وخصوصا تغيير طبيعة مهمة المينورسو باعتبارها بعثة أممية للاستفتاء وليس لحقوق الإنسان. وفي 25 أبريل 2013م تبنى مجلس الأمن بالإجماع القرار 2099 الذي مدد ولاية البعثة من دون توسيع صلاحياتها لتشمل مراقبة أوضاع حقوق الإنسان. وتراجعت الولايات المتحدة عن اللغة التي كانت اقترحتها في النسخة الأولى من مشروع القرار بسبب الحملة الدبلوماسية التي شنها المغرب لمواجهة توسيع مهمة البعثة الدولية، ومدد القرار ولاية المينورسو عاماً كاملاً وهو ما ظل يتكرر لأكثر من عقدين . حيث يتم تمديد مهمة البعثة كل سنة من قبل مجلس الأمن إلى حين العثور على حل ينهي النزاع.
و في خطوة تعكس التفوق الدبلوماسي الكاسح للمملكة المغربية ، شهد مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، يوم الخميس 23 أبريل 2026 المنصرم، عقد جلسة خاصة خصصت لمناقشة المراجعة الاستراتيجية لتفويض بعثة “المينورسو”، بناءً على القرار رقم 2797 وسط اهتمام دولي متزايد بمستقبل المسار السياسي لهذا الملف. هذه الجلسة، التي وصفت بـ”التلخيصية” حملت في طياتها مؤشرات قوية على قرب طي هذا النزاع بما يخدم المصالح العليا للمغرب ويحفظ مصالح الجميع ،حيث أن أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر اطلعوا على استنتاجات الوفد الأممي الذي زار المنطقة مؤخراً، والتي عكست مقاربة تدعو إلى تقييم شامل لعمل البعثة وآليات اشتغالها في ضوء التطورات الميدانية والسياسية و استمرار البحث عن تسوية سياسية مقبولة من جميع الأطراف.
إن التحولات الجديدة والعلاقات المتميزة للممكلة المغربية والشراكات المنتجة مع المحيط الإقليمي والدولي نجحت في تحقيق انتصارات ديبلوماسية متوالية أربكت خصوم الوحدة الترابية ،و ساهمت في مناقشة هذه القضية في أبعاد مختلفة ووفق مقاربة تفصيلية كانت عصية في السابق، وهو مؤشر دال على جدية المنتظم الدولي في إيجاد حل نهائي لهذا النزاع ،لذلك باتت مسألة تعديل تفويض واسم بعثة “المينورسو” مطروحة للنقاش الجدي، وهو ما يمهد لإقرار إطار قانوني جديد يتماشى مع الواقع الميداني الذي يكرس بداية فعلية لأجرأة التنزيل الفعلي للقرار الأممي التاريخي الأخير .
إن مسألة تعديل تفويض واسم بعثة المينورسو يشكل منعطفا جديا وسابقة في التعاطي مع ملف الصحراء، بل يشكل مفاجأة للعديد من المراقبين بعدما كان مجرد الحديث عن ذلك الموضوع يثير حفيظة العديد من الدول بما فيها الأطراف المتدخلة في هذا النزاع التاريخي الذي عمر أزيد من خمسة عقود، والذي راحت بسببه أرواح وشكل جرحا نازفا لا زالت المنطقة تؤدي ثمنه وعطل الوحدة بين أقطاره وساهم في إضاعة عقود من التنمية والتكامل على أقطار المغرب العربي.
على هذا الأساس فإن طرح مسألة التفويض الأممي لبعثة المينورسو يمكن تفسيره بمجموعة من العوامل عدة نذكر منها :
أولا : توجه أمريكي غير مسبوق لحل مشكل الصحراء المغربية ومراجعة أدوار بعثة المينورسو .
تواصل الولايات المتحدة تحركاتها من أجل حل دائم لقضية الصحراء المغربية، يكون مقبولا لدى الطرفين وينهي هذا المشكل الذي عمر لعقود من الزمن ، حيث أعلن مايك والتز مستشار الأمن القومي الأمريكي أن واشنطن تدرس مراجعة عدد من بعثات حفظ السلام، وفي مقدمتها بعثة المينورسو، بهدف ربط استمرارها بنتائج ملموسة على الأرض وهو ما عجزت عن تحقيقه على أرض الواقع منذ نشأتها ما عدا القيام ببعض المهام ذات الطابع التقني والفني ،مثل مراقبة وفق إطلاق النار وتحركات قوات الطرفين ورصد الخروقات المسجلة تجاه أحد الأطراف ،أما على المستوى السياسي فقد فشلت البعثة في تحقيق الهدف الذي أنشئت من أجله وهو الإشراف على تنظيم الاستفتاء بمنطقة النزاع وهو ما يستوجب اليوم مراجعة أدوارها بشكل عاجل حتى تستجيب لكافة المتغيرات التي يعرفها الملف على المستوى السياسي وكذا الحلول المقترحة وفي مقدمتها مقترح الحكم الذاتي .
كل ذلك جاء ذلك خلال جلسة استماع في الكونغرس خُصصت لإصلاح الأمم المتحدة، حيث أكد المسؤول الأمريكي أن بلاده تدفع نحو العودة إلى الأساسيات المرتبطة بحفظ السلم والأمن الدوليين، مع تقليص التكاليف والحد من البيروقراطية ، حيث أشار أن بعض بعثات السلام استمرت لعقود دون تحقيق تقدم سياسي واضح، ما يفرض بحسبه إعادة تقييم جدواها، مبرزا أن بعثة المينورسو، القائمة منذ 1991، تندرج ضمن هذا التوجه، مع إمكانية تقليصها أو إنهائها تدريجيا في حال غياب مسار سياسي فعال ،و شدد على ضرورة ربط تمديد هذه البعثات بمعايير الأداء والنجاعة، واعتماد مراجعات دورية لها، محذرا من أن استمرارها لفترات طويلة قد يكرّس حالة الجمود بدل الدفع نحو الحلول.
ويأتي هذا الطرح في سياق انتقادات أمريكية لتضخم ميزانية الأمم المتحدة، التي تضاعفت عدة مرات خلال العقود الماضية دون تحسن مواز في مستوى الأمن الدولي، في وقت تؤكد فيه واشنطن، باعتبارها أحد أكبر الممولين، أحقيتها في الدفع نحو إصلاحات أعمق داخل المنظمة، كما أن هذا الموقف يأتي في إطار رغبة أكيدة من الجانب الأمريكي في إيجاد حل واقعي ودائم لمشكل الصحراء المغربية .
ثانيا : التصويت داخل مجلس الأمن على القرار الأممي 97.27 يفرض إعادة مناقشة أدوار البعثة من جديد :
لقد تأسست بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء بقرار مجلس الأمن رقم 690 في 29 نيسان/أبريل 1991 تماشيا مع مقترحات التسوية المقبولة بواسطة المملكة المغربية وجبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب. والتي تشير لفترة انتقالية، يستفتى خلالها مواطنو الأقاليم الجنوبية على الاستقلال أو الاندماج مع المملكة المغربية، ويتحمل المندوب الخاص للأمين العام وحده وبصفة حصرية مسؤولية الأمور المتعلقة بتنظيم الاستفتاء وذلك بالاستعانة بمجموعة متكاملة من المدنيين والعسكريين وأفراد الشرطة المدنية لتأدية مهمته، وعرفت هذه المجموعة باسم بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية. لكن ومع فشل مخطط التسوية الأممي طيلة العقود الماضية والتي عرفت جمودا في الكثير من الفترات ،نتيجة عدم إتفاق الأطراف على حل سياسي يرضي الجميع ويحقق السلم والأمن في المنطقة ويحقق التكامل والاندماج الاقتصادي والاجتماعي لدول وشعوب المنطقة، يضاف إلى ذلك فشل كل المقترحات المقدمة لحل هذا المشكل وإكتفاء منظمة الأمم المتحدة وبتمديد مهمة بعثة المينورسو كل سنة وذلك طيلة الفترة الماضية.
إلا أن القضية ستعرف منعطفا جديد مع تصويت الأمن الدولي على القرار التاريخي 97.27 بتاريخ 31 أكتوبر 2025 والذي بموجبه يعتبر المبادرة المغربية للحكم الذاتي بالأقاليم الحل الأكثر واقعية وقبولا من طرف المنتظم الدولي، وعلى أساسها يعتبر هذا المقترح كأساس وحيد للتفاوض، مما يشكل تحولاً نوعياً يكرس خيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل سياسي وواقعي. و يجدد القرار كذلك ولاية بعثة الـ “مينورسو” لمدة عام كامل.
كل ذلك يجعل من إعادة تقييم أدوار بعثة الأمر أصبح أمرا لازما للعديد من الإعتبارات لعل من أهمها إقبار فكرة تنظيم الاستفتاء بالأقاليم الجنوبية بالنظر إلى استحالة تنظيمه إلى جانب مقترحات أخرى ، بل إن القرار 97.27 الذي حظي بتصويت أغلبية كبيرة من أعضاء مجلس الأمن ،يعتبر أن الحل الواقعي والمقبول هو خيار الحكم الذاتي كأساس للتفاوض بين الأطراف، ولذلك فإن تغيير أدوار البعثة اقتضته الضرورة السياسية والواقعية بالنظر إلى المهام الذي الجديدة التي قد تضطلع بها في القريب العاجل بعد الاتفاق مع أعضاء مجلس الأمن وهو ما ينتظر توقعه خلال انعقاد اجتماع مجلس الأمن أكتوبر المقبل .

ثالثا : الإنتقال إلى مناقشة أدوار البعثة يرسخ التحول الجذري في التعاطي مع قضية الصحراء .
يشكل قرار مجلس الأمن الأخير منعطفا حاسما في النزاع، حيث ابتعد مجلس الأمن عن الصيغ السابقة المعتمدة على لغة عامة قريبة إلى منطق الالتماس وتفتقد لأي طابع إلزامي ،وهو ما أفقد المبادرة الأممية في السابق جدوائيتها،وأدخلها في منطق الرتابة لعقود ، بخلاف القرار الحالي الذي كرس الواقعية السياسية وأعاد إلى مؤسسة مجلس الأمن بعضا من بريقها الذي افتقده طيلة سنوات بسبب عدم قدرتها على حلحلة العديد من القضايا الدولية.
من هنا فإن مناقشة أدوار البعثة ومستقبلها في الأقاليم الجنوبية يضع البعثة أمام تحول جديد يقتضي التعاطي معه بكثير من اليقظة الديبلوماسية ،حيث تتزامن هذه الدينامية مع تحركات دبلوماسية متواصلة في عدة عواصم دولية، في وقت تسعى فيه مختلف الأطراف إلى تعزيز مواقفها داخل أروقة الأمم المتحدة، خاصة مع اقتراب محطات أممية جديدة مرتبطة بتجديد التفويض.وذلك من أجل صياغة أدوار جديدة تمتح من القرار الأممي الجديد وتنتقل بالبعثة إلى فضاءات للاشتغال تأخذ بعين الاعتبار التحولات الجارية بالأقاليم الجنوبية انطلاقا من رصد التحول التنموي بهذه الأقاليم والدفع في اتجاه إعادة إدماج هذه الأقاليم بشكل أكبر في مسار التنمية بالمملكة باعتبارها منطقة عبور نحو العمق الإفريقي وهو ما من شأنه أن يساهم في تطوير ونماء دول الجوار وخصوصا دول المغرب المغربي ودول جنوب الصحراء .كما أن المنطقة تعرف تحديات أخرى تتعلق بإشكالية الهجرة غير المنظمة وقضايا الجماعات الإرهابية مما يقتضي تنسيقا وتعاونا بين دول المنطقة وهو ما يجب أن يكون لمجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة الدور الريادي فيه .
على سبيل الختم :
إن اجتماع مجلس الأمن المقبل سيشكل بدون شك محطة مفصلية أخرى تنضاف إلى سابقاتها من حيث ستتم مناقشة مراجعة أدوار بعثة الأمم المتحدة منذ إنشائها بالأقاليم الجنوبية سنة 1990 و هو قرار لا شك أنه سيؤسس لمرحلة جديدة ، لذا علينا أن نكون في مستوى الحدث وطنيا ودوليا ، على اعتبار انه سيقطع مع المرحلة السابقة كليا وقد يرهن قرار مجلس الأمن لسنوات وربما لعقود أخرى ،من هنا فإن رسم اختصاصات وتفويض البعثة يضع الجميع أمام مسؤوليات جديدة واختصاصات أخرى و أن تحديدها بدقة هو ضمانة لإستكمال أدوارها بما يحقق السلم والأمن ويساهم في تنزيل قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالجدية اللازمة والجرأة المطلوبة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى