
لقد اختلف أهل العلم في حكم الأضحية هل هي سنة أو واجبة؟ والراجح عند الجمهور والغالبية العظمى من العلماء النحارير أنها سنة لا يأثم تاركها ولو كان مقتدرا، لِمَا ثبت عن الخلفاء الراشدين المهديين من تركها، ولا ينبغي لأحد أن يَصِمَ تركهم لها بالمعصية ! قال الإمام الترمذي رحمه الله: ” العملُ على هذا عند أهل العلم أنَّ الأُضْحِيَّةَ ليست بواجبةٍ، ولكنها سنَّةٌ من سُنَنِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ يُستَحَبُّ أن يُعمَل بها، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك “.
وقالوا: إنَّ تَضْحِيَتَهُ صلى الله عليه عن أمَّتِه وعن أهلِه؛ تُجْزِئُ عن كُلِّ مَن لم يُضَحِّ، سواءٌ كان متمكِّنًا مِنَ الأضْحِيَّةِ أو غيرَ متمَكِّنٍ. لكن في المقابل ما حكم قاطعي الأرحام مع أقرب الأقربين. أعني الوالدين الموصى بالبر والإحسان بهم من قِبَل رب العالمين. قال تعالى بسورة الإسراء: “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)”: قضى بمعنى حكم، ولقد قرن العزيز المقتدر بِـرَّ الوالدين بعبادته لبيان حقهما العظيم على الأولاد ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ أي نهى الحق سبحانه وتعالى عن إلحاق أدنى مراتب الأذى ولو بالنظر شزرا إليهما دون أن يُحِسَّا؛ فدلّ ذلك على تحريم ما هو أشد منه من باب أولى وأحرى ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ أي: لا تزجرهما أو ترفع صوتك عليهما.﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي كلامًا لينًا حسنًا طيبا يدل على الاحترام والتوقير. ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي: تواضع وأَلِـنْ جانبك لهما تواضع رحمة ومحبة وخضوع من فرط عطفك عليهما. ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ أي: أكْـثِـرْ من الدعاء لهما، خاصة في حياتهما وبعد موتهما، جزاءً لتربيتهما. فتحسسوا الأخبار وجولوا الديار، ولِجُوا المحاكم احتفالا بالمساخيط ملوك العقوق بامتياز قد فاق حدود القياس قطيعة وضربا، فكيف سيكون حال من أقل فيهم بالتراحم والتزاور. قال تعالى باستهلال سورة النساء: {… وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ (تَسَّآءَلُونَ) بِهِ وَالْأَرْحَامَ}. وقال أيضا: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)} سورة محمد.
صلة الرحم لها أهمية كبيرة في الإسلام وتُعتَبر عبادة أكيدة يتقرب بها المسلم إلى بارئه. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: “من أحب أن يُبْسَطَ له في رزقه، وَيُنْسَأَ له في أثره، فليصل رحمه” (الحديث رواه الشيخان). صلة الرحم عبادة لا عادة لأن خفض الجناح للوالدين والأهل والأخوات والأخوة وأبناء العم والخال والعم والأقارب لا يُسَمَّى في عرف المخرفين المنحرفين ذلاً، والتودد لهم لا يسمى نفاقاً، والنزول عند رأيهم لا يسمى انكساراً.
صلة الرحم ليست خيارا ولا سنة كالصداقات والعلاقات المصلحية؛ بل أداؤها واجب، والتقصير فيها عقوق، ومَن وصل رحمَه فقد عَمَّـرَ دنياه، وبورك له في رزقه وعمره …ومن عقوبات قاطع الرحم:
+ الحرمان من الجنة: قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ” لا يدخل الجنة قاطع “. الحديث رواه البخاري ومسلم. ويعني به قاطع رحم. + لا يرفع الله له عمل ولا يقبله منه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إن أعمال بني آدم تعرض على الله تبارك وتعالى عشية كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم”. “من وصل رحمه وصله الله، ومن قطعها قطعه الله “.
صِلُـوا- أيها الإخوة والأخوات- أرحامكم وأسعدوا أقاربكم بزيارتهم المباشرة، وبسؤالكم عنهم حتى بالتلفون إن كانوا في ديار المهجر ، وأقيموا حبال الود بينكم.
فاللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا، واغفر لنا تقصيرنا في هذا الجانب بدعوى أن القيام بواجب صلة الأرحام لا يفتح عليك سوى أبواب الشر، وكائن هذا لكن البادئ المتجاوز عن الشر هو الأكرم…
وبه تمام الكلام والسلام.




