رأي

من التكفير إلى التخوين.. مسار معتل لا يغير إلا الأقنعة

كمال عصامي صحفي

من تطرف إلى تطرف آخر، هكذا يبدو مسار محمد الفيزازي الذي لم يستطع إلى اليوم التخلص من العقلية الإقصائية التي لازمت خطابه منذ البداية، وإن تغيرت العبارات والأساليب. فالرجل الذي كان بالأمس يتحدث بلغة التكفير المباشر، أصبح اليوم يمارس الأمر نفسه بطريقة أخرى؛ عبر التخوين، والطعن في وطنية المغاربة، والتشكيك في كل من يختلف معه فكرياً أو سياسياً.

لقد تحول السلوك الفعلي والممارسة اليومية إلى المقياس الحقيقي لصدق ما يُسمى “المراجعات الفكرية”؛ إذ يبدو للكثيرين أن تلك التراجعات لم تكن في عمقها سوى نوع من “التقية الفكرية”، أو انحناءً مؤقتاً للعاصفة من أجل التكيف مع المرحلة الجديدة وضمان البقاء في المشهد. فالمنهج الإقصائي وجوهر الخطاب لم يتغيرا، ونفس السلاح القديم الذي كان يُستعمل بالأمس لتفتيت المجتمع لا يزال يُستعمل اليوم، وإن اختلفت أسماء الضحايا وتبدلت العناوين من “خروج عن الملة” إلى “خروج عن الوطنية”.

ولمن يريد التأكد من هذا التناقض الصارخ بين ادعاء المراجعة وحقيقة الممارسة، فما عليه إلا أن يطالع تدويناته وتصريحاته الرقمية على منصات التواصل الاجتماعي؛ فهي تحولت إلى سجل مفتوح يضج بلغة التحريض والتصنيف، وتؤكد لكل متتبع أن العقلية التي أنتجت فكر التكفير بالأمس، هي نفسها التي تنتج خطاب التخوين اليوم. فالرجل لم يترك أحداً خالفه إلا وانهال عليه بالسب أو التحقير أو الاتهامات المبطنة، وكأنه يملك وحده مفاتيح الوطنية والدين معاً.

والحال أن الذين يهاجمهم، سواء كانوا سياسيين أو فاعلين أو حتى مواطنين عاديين، هم مغاربة ينتمون إلى هذا الوطن، بعضهم يشتغل من داخل مؤسسات وأحزاب وطنية، وتحت سقف دولة مغربية تؤمن بتعدد الآراء وتدبير الاختلاف، لا بمنطق الإقصاء والتصنيف. قد يختلف البعض مع الدولة أحياناً، وقد ينتقدون الحكومة أو بعض السياسات، وهذا أمر طبيعي وصحي في أي بلد يحترم التعددية؛ لكن أن يتحول الاختلاف إلى مناسبة للتخوين والتشكيك في الانتماء الوطني، فذلك يكشف عقلية لم تتحرر بعد من رواسب الفكر التكفيري الذي يقسم الناس إلى فسطاطين: معنا أو ضدنا.

ولا أحد في هذا الوطن يعترض على القرآن والسنة، فهما المرجعية الحقيقية والجامعة للمغاربة، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في استعمال النصوص الدينية وتوظيفها حسب الأهواء أو المصالح أو لإرضاء جهات معينة. فالدين أسمى من أن يتحول إلى مطية لتصفية الحسابات الشخصية أو وسيلة للهيمنة الفكرية على الناس، والقرآن لم ينزل ليكون سلاحاً في معارك الأشخاص، بل هداية ورحمة وعدلاً بين البشر.

المشكلة في الفيزازي أنه لم يقدم يوماً مراجعة فكرية واضحة وشجاعة تعترف بأخطاء الماضي وتصلح المنهج، بل حاول فقط تغيير الصورة الخارجية، بينما ظل الجوهر حاضرباً: احتكار الحقيقة، واحتقار المخالف، والتعامل مع الرأي الآخر بعقلية عدائية غايتها التصفية المعنوية. ولذلك، فإن الكثير من المغاربة لم يعودوا يرون فيه صورة العالم أو الداعية الذي يجمع الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، بل شخصاً ما زال أسير خطاب متشنج، حتى وإن غيّر نبرته أحياناً؛ لأن العالم الحقيقي يُعرف بأخلاقه واتزانه واحترامه للناس، لا بالصراخ والتصنيف وتوزيع صكوك الوطنية والإيمان.

والحمد لله أن المغرب تحكمه مؤسسة ملكية ضامنة للاستقرار والتوازن وحامية للحقوق والحريات، لا أشخاص تحكمهم الانفعالات والأحكام الجاهزة. فلو تُرك الأمر لعقليات تعتبر كل مخالف خصماً للدين أو الوطن، لدخل المجتمع في دوامة خطيرة من الفتن والانقسامات.

إن المغرب أكبر من خطابات التشدد، وأقوى من محاولات بث الكراهية بين أبنائه، وسيظل بلد التعايش والتعدد مهما حاول البعض إعادة إنتاج أفكار قديمة.. بلباس جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى