رأي

هل تملك الدبلوماسية “العرعارية” إجابات لإنقاذ الصناعة التقليدية المغربية؟

عبد العزيز رجاء فاعل مدني

أثار ظهور كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وهو يقدم صليبًا مصنوعًا من خشب العرعار المغربي لرجل دين مسيحي خلال نشاط خارجي، موجة واسعة من النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي وفي عدد من المنابر الإعلامية، ليس فقط بسبب الحمولة الرمزية للهدية، ولكن أيضًا بسبب السياق الذي جاءت فيه، والواقع الصعب الذي يعيشه قطاع الصناعة التقليدية بالمغرب.
فبعيدًا عن النقاش الديني أو العقائدي الذي واكب الواقعة، وجد العديد من المتابعين أنفسهم أمام سؤال أكثر عمقًا: هل تعكس هذه المبادرات فعلًا أولويات قطاع يعاني من اختلالات متراكمة، أم أنها مجرد أنشطة بروتوكولية لا تلامس جوهر المشاكل الحقيقية التي يواجهها الحرفيون المغاربة؟
لا أحد يجادل في أن المغرب راكم عبر تاريخه الطويل تجربة متميزة في التعايش والانفتاح الثقافي والديني، كما لا أحد يعترض على مد جسور التواصل مع مختلف الشعوب والثقافات. غير أن النقاش الذي أثارته هذه الواقعة انصب أساسًا على طبيعة الرسائل التي ينبغي أن تحملها الدبلوماسية الثقافية المغربية، وعلى مدى انسجامها مع هوية المجتمع وانتظاراته.
فالمغرب يزخر برصيد حضاري وثقافي غني ومتنوع؛ من الزليج الفاسي، والخط المغربي الأصيل، والنقش على الخشب، والصناعات الجلدية، والنحاس المنقوش، والزرابي التقليدية، وغيرها من الإبداعات التي صنعت شهرة المغرب عبر العالم. ولذلك تساءل كثيرون: ألم تكن هذه الرموز الحضارية كافية للتعريف بالمغرب والدفاع عن إشعاعه الثقافي؟
لكن بعيدًا عن الجدل الرمزي، يظل السؤال الأهم مرتبطًا بأوضاع الحرفيين أنفسهم، الذين يشكلون العمود الفقري للصناعة التقليدية الوطنية.
فالمتتبع لواقع القطاع يلاحظ أن آلاف الصناع التقليديين ما زالوا يواجهون تحديات كبيرة تتعلق بارتفاع أسعار المواد الأولية، وضعف الحماية الاجتماعية، وصعوبة الولوج إلى الأسواق، والمنافسة المتزايدة للمنتجات المستوردة والمقلدة، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي والتسويق الإلكتروني.
وفي الوقت الذي تعلن فيه الوزارة عن برامج ومبادرات لدعم القطاع وتأهيله، يطرح المهنيون تساؤلات مشروعة حول مدى انعكاس هذه البرامج على حياتهم اليومية، وحول حجم الفجوة القائمة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.
من يمثل الحرفي المغربي فعلًا؟
المشكل الحقيقي الذي كشفت عنه واقعة “صليب العرعار” لا يرتبط فقط بالجدل الديني أو الرمزي الذي أثارته، بل يكشف، قبل كل شيء، أزمة أعمق تتعلق بطريقة تدبير قطاع الصناعة التقليدية، وطبيعة العلاقة بين المسؤول الحكومي والحرفي المغربي البسيط.
فالمواطن العادي، حين يرى مسؤولين يجوبون الملتقيات والصالونات الدولية حاملين مصنوعات تقليدية ومنسوجات مغربية فاخرة، يطرح سؤالًا بديهيًا ومؤلمًا في الآن ذاته: أين هو الحرفي الذي أبدع هذه التحف؟ وأين تلك الأيادي المتعبة التي سهرت الليالي الطوال تنحت الخشب، وتطرز الجلد، وتصوغ النحاس، وتنسج الزرابي، لتُخرج هذه الأعمال في أبهى صور الإتقان الفني والجمالي؟
المفارقة الصادمة أن هذه الأيادي الذهبية تكاد تكون الغائب الأكبر عن هذا المشهد الاحتفالي والبروتوكولي. فالوزارة تتحدث كثيرًا عن تثمين الصناعة التقليدية، لكنها نادرًا ما تجعل الحرفي نفسه في قلب هذا التثمين، لا باعتباره صورة فولكلورية تُلتقط إلى جانبها الصور التذكارية، بل باعتباره فاعلًا اقتصاديًا واجتماعيًا يستحق الحماية والكرامة والاعتراف الحقيقي.
لقد تحول الحرفي المغربي، في كثير من الأحيان، إلى مجرد منتج صامت تُحمل أعماله إلى المعارض والصالونات الدولية، بينما يظل هو غارقًا في مشاكله اليومية القاسية: غلاء المواد الأولية، وضعف التغطية الصحية، وغياب التقاعد، والمنافسة الأجنبية غير العادلة، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة تسويق منتوجه داخل السوق الوطنية قبل الخارجية.
والصناع التقليديون اليوم لا يحتاجون إلى مزيد من الصور التذكارية لمسؤولين غير حرفيين يتصدرون واجهات المعارض والملتقيات الدولية وهم يحملون منتجات لم يصنعوها أصلًا، في غياب شبه تام لمن أبدعها وسهر الليالي الطويلة لإخراجها بذلك الإتقان الذي يبهر الزوار ويمنح الصناعة التقليدية المغربية قيمتها الحضارية والجمالية.
جدل التعيينات وأسئلة الحكامة
ولم يكن الجدل المرتبط بصليب العرعار الملف الوحيد الذي أثار نقاشًا داخل أوساط المهنيين ومتابعي القطاع. فقد تداولت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب بعض المنابر الإلكترونية، معطيات تتعلق بتعيين مسؤول إقليمي بقطاع الصناعة التقليدية في ظروف اعتبرها منتقدون مثيرة للتساؤل، بالنظر إلى حداثة عهده بالإدارة العمومية، وما أثير بشأن عدم استكماله لمسار الترسيم الإداري المعتاد قبل توليه مهام المسؤولية.
وبغض النظر عن مدى دقة جميع التفاصيل المتداولة أو خلفياتها، فإن حجم التفاعل الذي رافق هذا الملف يعكس حالة من القلق لدى عدد من المهنيين بشأن معايير التعيين في مناصب المسؤولية داخل القطاع، ومدى اعتماد الكفاءة والخبرة المهنية وتكافؤ الفرص كأساس لتدبير الموارد البشرية.
فإذا كان الحرفي المغربي يقضي سنوات طويلة في تعلم أسرار المهنة واكتساب الخبرة قبل أن يُعترف له بصفة “معلم”، فمن الطبيعي أن يثير أي حديث عن تقلد مناصب المسؤولية في مدد زمنية قصيرة الكثير من علامات الاستفهام لدى العاملين في القطاع.
إن القضية هنا لا تتعلق بأشخاص بعينهم بقدر ما تتعلق بمبدأ الحكامة الجيدة، وترسيخ الثقة في المؤسسات، وضمان الشفافية والوضوح في تدبير الشأن العام.
ماذا يحتاج الحرفي المغربي اليوم؟
إن الصناع التقليديين لا ينتظرون من وزارتهم فقط تنظيم المعارض والزيارات الرسمية أو المشاركة في الأنشطة البروتوكولية، بل ينتظرون حلولًا حقيقية لمشاكلهم اليومية، وعلى رأسها:
• حماية اجتماعية حقيقية تحفظ كرامتهم بعد سنوات العمل الشاق.
• دعم فعلي للمواد الأولية التي ارتفعت أسعارها بشكل خانق.
• قوانين صارمة تحمي المنتوج المغربي من التقليد والإغراق.
• تكوين مهني عصري يواكب التحولات الرقمية والتسويقية.
• استراتيجيات تسويق دولية احترافية تفتح الأسواق أمام الحرفيين أنفسهم، لا أمام الوسطاء فقط.
• منظومة قانونية تحمي الملكية الثقافية المغربية من السرقة والاستغلال التجاري الخارجي.
لقد نجحت دول عربية عديدة في تحويل الصناعات التقليدية إلى رافعة اقتصادية حقيقية. ففي دول الخليج العربي، جرى ربط الحرف التقليدية بالسياحة والثقافة والاستثمار، مع توفير آليات حديثة للتسويق والحماية القانونية. كما عملت دول مثل تونس على إدماج الصناعات التقليدية في الدورة الاقتصادية والسياحية بشكل أكثر فاعلية، رغم محدودية الإمكانات مقارنة بالمغرب.
أما في المغرب، فما يزال القطاع يتوفر على مؤهلات هائلة، لكنه يحتاج إلى رؤية أكثر التصاقًا بالواقع، وأكثر إنصافًا للحرفي الذي يظل الحلقة الأضعف رغم كونه صانع القيمة الحقيقية.

إن الصناعة التقليدية ليست مجرد ديكور سياحي أو مادة للاستعراض الدبلوماسي، بل هي ذاكرة شعب، وهوية وطن، ومصدر رزق لآلاف الأسر المغربية.
ولذلك فإن النقاش الذي أثارته واقعة “صليب العرعار” يتجاوز الهدية في حد ذاتها، ليطرح سؤالًا جوهريًا حول الأولويات: هل المطلوب هو صناعة الصور والرموز المثيرة للجدل، أم صناعة السياسات القادرة على حماية الحرفي المغربي وتطوير أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية؟
ذلك هو السؤال الذي ينتظر الصناع التقليديون المغاربة أن يجدوا له جوابًا في الواقع، لا في البلاغات والصور التذكارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى