30/05/26
في كل بلد يحتاج المجال العام إلى صحافة تراقب، وسياسة تحاسب، ومؤسسات تسمع قبل أن تتفاجأ. وحين تختل هذه المعادلة، لا يظهر الخطر دفعة واحدة، بل يتراكم في التفاصيل: خبر ناقص، حوار موجه، ملف مسكوت عنه، مسؤول يهرب من السؤال، ومنبر يفضل السلامة على الحقيقة.
المشكل لا يكمن في وجود إعلام قريب من مراكز القرار، ولا في وجود سياسيين يحسنون التواصل. المشكل يبدأ عندما يتحول القرب إلى تبعية، ويتحول التواصل إلى تسويق، ويصير الصحفي موظفا غير معلن في حملة تلميع دائمة. هنا لا تخسر الصحافة وحدها، بل تخسر السياسة أيضا؛ لأن السياسي الذي لا يجد من ينبهه إلى أخطائه يصدق صورته المصنوعة، ثم يفاجأ لاحقا بأن الشارع لا يراها كما يراها هو.
إعلام يشرح بدل أن يسائل
جزء من الإعلام اليوم لم يعد يسأل: ماذا وقع؟ من المسؤول؟ أين المال؟ لماذا تعطلت الوعود؟ وما أثر القرار في المواطن؟ بل صار يشتغل بمنطق آخر: كيف نقدم الخبر بأقل إزعاج؟ كيف نغلف الفشل بلغة تقنية؟ كيف نحول النقاش من أصل المشكل إلى هامشه؟
بهذا الأسلوب تفقد الصحافة وظيفتها الأولى. فالمواطن لا يحتاج إلى من يشرح له أن كل شيء على ما يرام، وهو يرى بعينه غلاء المعيشة، وضعف الخدمات، وصعوبة الولوج إلى العلاج، وتراجع الثقة في الوسائط المنتخبة. المواطن يحتاج إلى إعلام ينقل صوته بأمانة، لا إلى إعلام يطالبه بالصبر كلما طرح سؤالا مشروعا.
الصحافة ليست منصة للتشهير، لكنها ليست كذلك مكتب استقبال للبلاغات. هي مساحة للتحقق، والمساءلة، والمقارنة بين الوعود والنتائج. وكل دعم عمومي لا يقود إلى صحافة أكثر استقلالا ومهنية يتحول عمليا إلى مكافأة على الصمت.
سياسيون بلا كلفة
في المقابل، لم تعد مشكلة عدد من الفاعلين العموميين في ضعف التواصل فقط، بل في غياب الكلفة السياسية. يمكن أن يفشل مشروع، أو تتعطل خدمة، أو تظهر شبهة تضارب مصالح، ثم تمر القضية كما لو أنها سوء فهم عابر. لا استقالة، لا اعتذار، لا توضيح مقنع، ولا تقييم مستقل.
هذا الوضع يضر بالبلد أكثر مما يحمي الأشخاص. فالمحاسبة ليست انتقاما، بل صيانة للمؤسسات. والاعتذار ليس هزيمة، بل دليل نضج. أما الإصرار على الدفاع عن كل شيء، وتبرير كل شيء، وتدوير الأخطاء داخل اللغة نفسها، فهو ما يصنع الغضب الصامت.
السياسة الجادة تحتاج إلى رجال ونساء يعرفون أن المنصب ليس امتيازا دائما، بل مسؤولية مؤقتة. وتحتاج إلى قواعد واضحة تمنع الجمع بين القرار والمصلحة، وبين النفوذ والصفقة، وبين التمثيل العمومي وخدمة الدائرة الخاصة.
الخطر في الوسط المكسور
حين تضعف الأحزاب، وتفقد النقابات قدرتها على الإنصات، ويتحول الإعلام إلى صدى رسمي أو تجاري، يختفي الوسط الذي يربط المواطن بالمؤسسات. عندها لا يعود الاحتقان قابلا للتدبير الهادئ؛ لأنه لا يجد قناة موثوقة تعبر عنه.
وهنا يجب التقاط الرسالة مبكرا: ليس كل صمت رضا، وليس كل عزوف لامبالاة، وليس كل غضب رقمي مجرد انفعال عابر. هناك جيل جديد لا ينتظر كثيرا، ولا يثق في الخطابات الطويلة، ولا يفرق دائما بين المسؤول المباشر ومن يرمز إلى النظام العام. لذلك فإن تقوية الوسائط السياسية والإعلامية ليست ترفا ديمقراطيا، بل حاجة لحماية الاستقرار.
المؤسسات القوية لا تحتاج إلى إعلام مطيع، بل إلى إعلام مهني. ولا تحتاج إلى أحزاب شكلية، بل إلى تنظيمات حقيقية قادرة على التأطير والاقتراح والاعتراض المسؤول. فالدولة التي تجد أمامها شركاء جادين تربح الوقت، وتقلل الكلفة، وتتفادى المفاجآت.
إصلاحات لا شعارات
المطلوب اليوم واضح: أن يعاد ربط الدعم الإعلامي بمعايير معلنة، في مقدمتها جودة المحتوى، واحترام أخلاقيات المهنة، وحماية الصحفيين، ونشر الحسابات المالية للمؤسسات المستفيدة. كما ينبغي تحويل حق المواطن في المعلومة من مبدأ معلن إلى ممارسة يومية، حتى لا يبقى الصحفي رهين التسريبات والولاءات، ولا يبقى الرأي العام عالقا بين الروايات الناقصة والحقائق المؤجلة.
ولا يستقيم هذا المسار من دون قواعد صارمة تمنع تضارب المصالح لدى المنتخبين والمسؤولين، وتلزم بنشر التصريحات والمصالح المرتبطة بالصفقات العمومية. فالشفافية هنا ليست ترفا إداريا، بل شرط أساسي لاستعادة الثقة.
وبالموازاة مع ذلك، تحتاج الأحزاب إلى فتح أبوابها أمام الشباب والكفاءات المحلية، لا بوصفهم ديكورا انتخابيا، بل شركاء فعليين في القرار. كما أن تقييم السياسات العمومية يجب أن يتحول إلى ممارسة منتظمة، تنشر نتائجها للناس بلغة مفهومة، حتى يعرف المواطن أين نجح التدبير، وأين تعثر، ومن يتحمل المسؤولية.
حماية البلد تبدأ بالحقيقة
لا يحتاج المغرب إلى صدام بين الإعلام والسياسة، ولا إلى خطاب عدمي ينسف كل شيء. لكنه يحتاج إلى صحافة لا تخاف من السؤال، وسياسة لا تهرب من الجواب، ومؤسسات تعتبر النقد المبكر خدمة لا تهديدا.
حين يستر الإعلام أخطاء السياسي، فإنه لا يحميه؛ بل يتركه يواصل السير في طريق قد تنتهي بكلفة أكبر. وحين تقبل السياسة بصحافة ضعيفة، فإنها تحرم نفسها من جهاز إنذار ثمين. الإصلاح يبدأ حين نفهم أن الحقيقة ليست ضد الاستقرار، بل هي شرطه الأول.




