رأي

متى نتوقف عن التراشق؟

بقلم: د.مصطفى أبوسعد

متى يدرك بعضنا أن الكلمة الجارحة لا تنتصر لصاحبها، وإنما تترك في قلبه ندبة قبل أن تتركها في قلب أخيه؟

متى نفهم أن الخصومة إذا استوطنت القلوب أفسدت الدين والدنيا معًا، وأن الشيطان لا يفرح بشيء فرحه بتفريق الأحبة وتمزيق الأرحام وإشعال نار النزاع بين الإخوة والأشقاء؟

لقد شرع الله التدافع لإقامة الحق ودفع الباطل، ولم يشرع الصراع الذي تأكل ناره القريب والبعيد. فالتدافع يكون بين حق ظاهر وباطل ظاهر، أما التنازع بين أهل المودة والقرابة، وبين أبناء البيت الواحد، فغالبه حظوظ نفوس، وأهواء متنازعة، وكلمات قيلت ساعة غضب فبقي أثرها سنين.

قال الله تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.

فما ذهبت قوة أسرة، ولا تفرقت جماعة، ولا ضعفت أمة، إلا وكان للتنازع نصيب من ذلك.

وكان ابن القيم رحمه الله يقرر أن سلامة الصدر من أعظم أبواب السعادة، وأن القلب إذا امتلأ بالضغائن ضاق عن معاني الإيمان والطمأنينة. فكيف يهنأ عبد بعبادته، أو يستريح في ليله، وهو يحمل في صدره خصومة لأخيه، أو قطيعة لقريبه؟

وما أحوجنا اليوم إلى خلق نبينا ﷺ؛ ذلك الخلق الذي كان يطفئ نار الخصومة بالعفو، ويجبر الكسر بالإحسان، ويقابل الإساءة بالحلم، حتى شهد له ربه بقوله:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

إن الأمة لا ينقصها الذكاء بقدر ما ينقصها الصفاء، ولا ينقصها الكلام بقدر ما ينقصها سلامة القلوب.

فيا رب…
طهّر قلوبنا من الغل والحسد، وأبدل التراشق تراحمًا، والصراع تصالحًا، والجفاء مودةً ورحمة.

اللهم اجعل لنا من خلق نبيك ﷺ نصيبًا، ومن عفوه حظًا، ومن سلامة صدره نورًا، حتى نلقاك وليس في قلوبنا لأحد من عبادك غلّ ولا خصومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى