رأي

عندما يسقط “وقار المشيخة” في مستنقع القذف و”البذاءة الرقمية”

عبد العزيز رجاء فاعل مدني

منذ معانقته الحرية بموجب عفو ملكي كريم سنة 2011، بعد قضاء سنوات خلف القضبان إثر إدانته في ملفات التطرف والإرهاب على خلفية أحداث 16 ماي الأليمة، شكلت المسيرة الفكرية والخرجات الإعلامية للشيخ محمد الفزازي مادة خصبة للتعليق والجدل. وإذا كان النقاش المجتمعي قد انصب لسنوات حول مراجعاته الفكرية وانتقاله نحو الالتزام بخطبة الجمعة الرسمية، فإن اهتمام المتابعين اليوم بات يتركز بشكل لافت حول طبيعة المحتوى المنشور عبر منصاته الرقمية. ويرى العديد من المهتمين بالشأن الدعوي والإعلامي أن الأسلوب السجالي المعتمد في بعض هذه المنصات أضحى يبتعد أحياناً عن الوقار المفترض واللائق بدارس للعلم الشرعي وحافظ لكتاب الله، مائلاً نحو الحدة والمواجهة التي لا تخدم السكينة المجتمعية.
ويتساءل فاعلون في الشارع المغربي بكثير من التطلع والتوجس: كيف لمن يضطلع بمسؤولية الموعظة والإرشاد وينصح الناس بالخلق الحسن، أن يقع خطابُه في فخاخ التنابز بالألقاب والسجالات اللفظية الحادة؟
السجالات الرقمية في الميزان: النقد الفكري أم الخصومة اللفظية؟
يرصد متابعو الفضاء الرقمي تزايد منسوب الحدة في منشورات الشيخ الفزازي تجاه عدد من منتقديه ومخالفيه في الرأي، بمن فيهم بعض قياديي حزب العدالة والتنمية، كالناشط الحقوقي وعضو الحزب عزيز هناوي. ويؤخذ على هذا النمط من الخطاب تفضيله في محطات عديدة للمواجهة المباشرة واستعمال العبارات القاسية، عوضاً عن تفكيك الأفكار بالأفكار ومقارعة الحجة بالدليل والمنطق الرصين اللائق بمقام التوجيه.
ولم تقتصر هذه الخرجات الرقمية على الفاعلين السياسيين، بل امتدت لتشمل فضاء العمل الإعلامي. وهو ما تجلى بوضوح في طريقة التعاطي مع المقال التحليلي الذي نشره الإعلامي الأستاذ كمال عصامي، مؤسس موقع وجريدة “إطلالة بريس”. ففي الوقت الذي قدم فيه الأستاذ عصامي قراءة رأي تحليلي فكك عبرها الخلفيات الفكرية للشيخ ومسار تحولات خطابه دون استناد إلى مراجعات معلنة، جاء الرد الرقمي حاملاً لنعوت وأوصاف اعتبرها الجسم الصحفي حاطة من الكرامة ومستفزة؛ كأوصاف من قبيل “الكذاب” و”المرايقي”. وقد أثارت هذه الحدة اللفظية ردود فعل مستنكرة من المتابعين الذين تساءلوا حول مدى انسجام هذا المنطق السجالي مع قيم الدين الإسلامي الحنيف وضوابطه الأخلاقية الداعية إلى وجوب مجادلة المخالفين بالتي هي أحسن. وفي المقابل، آثر مؤسس الجريدة الترفع عن الدخول في مهاترات شخصية، معلقاً بنبرة هادئة تعكس نضجاً مهنياً وأخلاقياً رفيعاً:
“سأتعامل بأسلوب حضاري مع كل من استباح شخصي ظلماً وعدواناً، وبيني وبينهم القضاء؛ فمهنتي وأخلاقي وتربيتي تمنعني من الرد عليهم، وتنأى بي عن النزول إلى المستنقع الذي غرقوا فيه للنيل من شخصي ومن سمعتي”.
قضايا الأمة بين واجب النصرة ومنزلق التهكم
من بين الخرجات الرقمية التي أثارت عتاباً واسعاً من قِبل الرأي العام، كانت التدوينات والتصريحات المتعلقة بـ “أسطول الصمود” لمناصرة الشعب الفلسطيني المظلوم وفي غزة على الخصوص. فحيث كان يُنتظر من شخصية دعوية أن تلعب دور الناصح الرحيم والموجه الداعم للقضايا العادلة بوقار واتزان، اتسمت بعض التدوينات بلغة ممعنة في السخرية والتهكم تجاه المشاركين في هذه المبادرات الإنسانية، وهو ما قد يعتُبر تجريداً لمأساة إنسانية عميقة من طابعها المؤلم. حيث قوبل هذا السلوك بموجة من الانتقادات العارمة التي رأت فيه نوعاً من الانفصال عن نبض الوعي الجمعي للشعب المغربي. الذي يعد في طليعة الشعوب الحريصة على التضامن الميداني عبر مسيرات عارمة شهدتها وتشهدها مختلف المدن المغربية، ولا سيما مدينة طنجة التي يقطنها الشيخ. هذا الحراك الشعبي يتكامل وينسجم دوماً مع المواقف الراسخة والثابتة لملوك الدولة العلوية الشريفة الذين يضعون القضية الفلسطينية في مرتبة القضية الوطنية الأولى، وهو ما تترجمه عملياً جهود “لجنة القدس” برئاسة جلالة الملك محمد السادس، وقبله والده الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه. وكذا التدخلات الإنسانية والاجتماعية والمادية المباشرة لـ “وكالة بيت مال القدس الشريف”. وكان الأولى بالخطاب الدعوي المحلّي أن يسند هذا التلاحم الرسمي والشعبي بدل اللجوء إلى السخرية غير المبررة.
أثر الحياة الخاصة على مصداقية الخطاب الوعظي
من الناحية السوسيولوجية والشرعية، لا يمكن فصل القبول المجتمعي لخطاب أي رجل دين عن مدى انضباط سلوكه العام وتفاصيل القضايا المثارة حول حياته الخاصة، التي تتداول عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وتساهم بشكل مباشر في إضعاف القوة الأدبية والمصداقية الأخلاقية للخطاب الوعظي الموجه للعامة. فالقاعدة الشرعية والاجتماعية تقتضي أن ضبط الشؤون الأسرية وحل النزاعات وفق ميزان القانون والشرع هو الخطوة الأولى والأساسية قبل تصدر مجالس توجيه الآخرين أو انتقاد سلوكياتهم. ومن هذا المنطلق، فكك مهتمون دوافع الحدة السجالية الأخيرة لبعض الشيوخ، معتبرين إياها بمحاولات لصرف الأنظار نحو معارك جانبية وحسابات سياسية ضيقة، تجعلهم يسقطون خلالها خطابهم في فخ التخوين والتآمر وغيرها من الألفاظ التي قد تسقط صفة المواطنة.
خلاصة وخاتمة توجيهية:
إن ظاهرة الانفلات السجالي عبر الفضاء الرقمي باتت تشكل تحدياً حقيقياً لجهود ترسيخ الخطاب الديني الوسطي والمعتدل في المغرب. فالشيخ الذي استفاد من فرصة العفو الملكي الكريم لإعادة الاندماج الإيجابي، أضحى يُهدر جزءاً كبيراً من رصيده الدعوي بالتحول إلى منطق المؤثر الرقمي الذي يستعير أحيانا لغة الشارع الساخنة ومصطلحات القذف المجاني. وهو ما يعطي انطباعاً سلبياً للرأي العام بأن حفظ القرآن الكريم والمتون، وغيرها، لا ينعكس بالضرورة استقامةً في السلوك أو نبلاً في تدبير الاختلاف والخصومة.
وتأسيساً على ما تقدم، ومن باب النصح الشرعي والمسؤولية الأخلاقية والوطنية، وتجسيداً للمبدأ القرآني العظيم: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، نتوجه إلى السيد محمد الفزازي بهذه النصائح التوجيهية والتنبيهات الحصيفة:
• تنبيه إلى مراجعة مسلك الخطاب: إن الاندفاع المستمر نحو استعمال أساليب النبذ والطعن اللفظي في مواجهة المخالفين فكريا، أو سياسياً أو إعلامياً لا يضعف منتقديك بقدر ما يساهم في تقويض وقار “المشيخة” ومكانة الخطاب الدعوي في نفوس متابعيك وخاصة الناشئة. فالنقد الفكري يجب أن يترفع عن التشخيص والسب ليحافظ على صبغته العلمية والشرعية.
• التذكير بالضوابط النبوية الأصولية: نذكركم بالهدي النبوي الشريف الذي يعلو ولا يُعلى عليه في فقه التعامل مع الخلق: “ليس المسلم بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء”. إن القيمة الحقيقية للعالِم تنبع من حسن عمله وحكمته وطول أناته، وليس في الانسياق وراء العزة بالإثم وتوزيع صكوك التخوين يمنة ويسرة بعبارات تجرح الذمم وتخدش الحياء العام.
• دعوة صادقة للاسترجاع والتدبر الفردي: إن تواتر السجالات الشخصية والنزاعات المثارة قانونياً وإعلامياً يفرض عليكم ضرورة مراجعة الأولويات والتركيز على إصلاح الشأن الخاص. من هنا، تبدو الدعوة قائمة لمراجعة كثافة الخروج الإعلامي الرقمي، وتجنب السجالات العبثية لحفظ ما تبقى من القبول المجتمعي.
• توجيه نحو توثيق الالتزام: ندعوكم إلى الزهد في حطام المعارك الافتراضية الزائلة التي لا تغني من الحق شيئاً، وإعادة توجيه الطاقة والجهد نحو تحسين العلاقة مع الخالق ومع عباده؛ فالأصل الثابت أن “المسلم من سلم الناس من لسانه ويده”. إن التراجع نحو الحكمة والصمت الجميل أولى بالاتباع من المضي في طريق رقمي يطبع صورة الفقيه بملامح المؤثر المثير للجدل والشبهات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى