
تظل للمسجد في الوجدان المغربي مكانة خاصة، تتجاوز حدود الجدران والمآذن لتلامس قدسية الرسالة وأمانة الكلمة. ومن فوق أعواد المنابر، يتطلع المصلون كل جمعة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويحمل وقار الالتزام. غير أن ما يشهده ملف الشيخ محمد الفيزازي، خطيب مسجد “طارق بن زياد” بطنجة، يفتح الباب واسعاً أمام نقاش إداري، قانوني، وشرعي، يتجاوز شخص الخطيب ليسائل منظومة تدبير الشأن الديني برمتها بالمملكة.
الواقع الإداري يشير إلى أنه في أكتوبر 2017، وعقب السجال الشهير الذي أثير حول الشيخ، جرى الحديث عن قرار توقيف احتياطي من الوزارة الوصية “إلى غاية أن يقول القضاء كلمته”، وهو الإبعاد الذي امتد ليصبح دائماً؛ حيث لم يُسمح له بالعودة إلى اعتلاء المنبر، ليتولى نواب تعويضه بشكل مستمر.في حين هناك من يقول بعدم توقيفه وإنما أبعد نفسه طواعيةلتجنيب المسجد والمنبر تداعيات تلك العواصف الإعلامية والقضائية.
لكن، وبعيداً عن ثنائية “التوقيف” أو “الانسحاب الذاتي”، فإن المؤكد والذي نحتاج فيه إلى تأكيد رسمي من الوزارة الوصية، هو مدى صحة استمراره في تقاضي مكافآته المالية كاملة من ميزانية الأوقاف منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا، وهو بعيد كلياً عن ممارسة مهامه الميدانية.
وهذا الوضع المستدام منذ سنوات، يبرز السؤال الجوهري حول الحكامة المالية والإدارية وفق قاعدة “الأجر مقابل العمل”؛ فكيف يستقيم في منطق تدبير المرفق الديني أن يستمر قيم ديني غائب عن المنبر في نيل مستحقات تكليف لا يباشره؟
إن الغياب الطويل، أياً كانت أسبابه وخلفياته، يقتضي مساطر إدارية واضحة تضمن الشفافية؛ فإما تسوية نهائية وإعلان شغور المنبر رسمياً، أو فتح الباب لتعيين خطيب رسمي جديد. أما ترك الوضع معلقاً تحت جلباب “الإنابة الدائمة” طيلة هذه السنوات، فهو وضع يسائل منظومة الحكامة الدينية وسلامة تدبير المال العام.
السؤال اليوم يظل موجهاً بالدرجة الأولى للسيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المحترم، وللشيخ الفيزازي نفسه من باب براءة الذمة ونفض الغبار عن هذا الملف: كيف يعقل أن يُترك المسجد لنائب طيلة هذه المدة دون حسم إداري قطعي؟ وهل يجوز شرعاً وقانوناً نيل مكافأة التكليف دون مباشرة التكليف؟ إن رفع اللبس عن هذه الوضعية وتوفير التوضيح الرسمي أضحى ضرورة ملحة لتظل مؤسساتنا الدينية نموذجاً أسمى لتطبيق القانون والشفافية.
يتبع




