
في زمنٍ أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحاتٍ مفتوحة للتعبير عن الآراء وتبادل الأفكار، برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في التراشق الكلامي، والتجريح الشخصي، وتحويل الاختلاف في وجهات النظر إلى خصومات وصراعات لا تخدم فكرةً ولا تبني وعيًا.
لقد منحتنا وسائل التواصل فرصة ثمينة للتفاعل والتعلم وتبادل الخبرات، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن حاجة ملحّة إلى ترسيخ أخلاق الحوار وآدابه. فليس كل ما يُعتقد أنه صواب يبرر الإساءة إلى الآخرين، وليس الاختلاف مبررًا للتنقيص من الأشخاص أو التشكيك في نياتهم أو الانتقاص من كرامتهم.
إن الرأي موقف بشري قابل للمراجعة، وما نراه اليوم صوابًا قد نكتشف غدًا أن فيه جانبًا من النقص أو القصور. ولذلك كان أهل العلم والحكمة أكثر الناس تواضعًا في طرح آرائهم، وأصدقهم اعترافًا بإمكانية الخطأ. ويكفي في هذا المقام ذلك القول المأثور الذي يجسد أرقى معاني الإنصاف الفكري: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.”
إن المجتمعات الراقية لا تُقاس بمدى اتفاق أفرادها، وإنما بقدرتهم على إدارة اختلافاتهم باحترام ومسؤولية. فالحوار الحضاري لا يعني التخلي عن القناعات، بل يعني عرضها بأدب، والدفاع عنها بالحجة، واحترام حق الآخرين في تبني قناعات مختلفة.
ولعل من المؤسف أن نرى بعض النقاشات تتحول إلى سيل من السخرية والاتهامات والتنابز بالألقاب، وكأن الغاية هي الانتصار للنفس لا الوصول إلى الحقيقة. والحال أن الكلمة مسؤولية، وما نكتبه اليوم يبقى شاهدًا علينا، وقد يترك أثرًا في النفوس لا تمحوه الأيام.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تكريس سلوك مدني حضاري في فضاءات التواصل الرقمي، يقوم على حسن الاستماع، واحترام المخالف، والتمييز بين نقد الفكرة والطعن في صاحبها، وتقديم المصلحة العامة على نزعات الانفعال والخصومة. فالكلمة الطيبة تبني الجسور، أما الكلمة الجارحة فتهدم الثقة وتزرع الفرقة.
لقد اختصر النبي ﷺ هذا المنهج الأخلاقي العظيم في قاعدة جامعة مانعة حين قال: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.” فكم نحن بحاجة إلى استحضار هذا التوجيه في عالمٍ تتسابق فيه الأصابع إلى الكتابة قبل أن تتريث العقول في التفكير.
إن مستقبل فضائنا الرقمي لن تصنعه التقنيات وحدها، بل ستصنعه أيضًا أخلاق مستخدميه. وحين يصبح الاحترام ثقافة، والحوار قيمة، والاختلاف فرصة للتعلم لا مناسبة للعداء، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع أكثر وعيًا ورقيًا وإنسانية.
فلنختلف بأدب، ولنناقش باحترام، ولنجعل من كلماتنا جسورًا للتواصل لا متاريس للتنازع؛ فالكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الجارحة قد تكون شرارة فتنة لا تنطفئ.




