02/06/26
لم يعد الولوج إلى البرلمان مسألة انتخابية عادية، بل أصبح امتحانا حقيقيا لوعي الأحزاب، وضمير الناخبين، ومستقبل الشأن العام. فالبرلمان ليس واجهة للوجوه الحسنة، ولا محطة لأصحاب الجيوب الممتلئة، ولا فضاء لمن يبحث عن حصانة أو وجاهة اجتماعية، بل هو مؤسسة دستورية تمثل صوت الأمة، وتدافع عن حاجات المواطنين، وتراقب أداء الحكومة، وتقترح الحلول، وتناقش السياسات العمومية بلغة المسؤولية والمعرفة.
والمؤلم أن قبة البرلمان، وهي فضاء يفترض أن ترتفع فيه لغة الحجة والرؤية، تكشف أحيانا عن مشاهد مربكة: خطاب متعثر، وأفكار متفرقة، ومرافعات لا تقنع حتى أصحابها. والأغرب أن الأمر لا يحدث في امتحان مفاجئ، بل في جلسات معلومة السياق، مع أسئلة معروفة ومحاور معدة سلفا. عندها يصبح الخلل أعمق من مجرد ضعف في التعبير؛ إنه عجز عن تمثل المسؤولية، وعن تحويل معاناة المواطنين إلى خطاب سياسي واضح ومؤثر. فالنائب الذي لا يحسن صياغة السؤال، ولا يمتلك أدوات الإقناع، ولا يعرف نبض المنطقة التي يمثلها، كيف سيحمل وجعها؟ وكيف سيدافع عن مطالبها؟ وكيف سيقنع حكومة أو مؤسسة أو رأيا عاما بقضية لا يستطيع هو نفسه أن يعبر عنها بوضوح؟
إن الأحزاب السياسية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تزكي من يستحق فعلا تدبير الشأن العام، لا من يملك المال أو النفوذ أو القدرة على تنظيم الولائم والحملات الصاخبة. فالتزكية ليست مجاملة، ولا صفقة، ولا مكافأة، بل هي شهادة سياسية وأخلاقية أمام الوطن. ومن المؤسف أن نرى أحيانا تزكيات تمنح لأشخاص معروفين بين أهلهم وذويهم بضعف النزاهة، أو بسوابق أخلاقية أو تدبيرية، وكأن رادار المسؤولية لا يشتغل حين يتعلق الأمر بالانتخابات.
لقد أصبح من الضروري التفكير في آلية جدية لولوج البرلمان، تشبه مباراة وطنية أو اختبارا قبليا، لا يمس حق الترشح، ولكنه يكشف مستوى المرشح في المعرفة، واللغة، والتواصل، وفهم الدستور، ومعرفة خصوصيات المنطقة التي يريد تمثيلها. فكيف يمكن لشخص لا يتقن الأمازيغية أن يترشح في منطقة يغلب عليها التواصل بهذه اللغة؟ وكيف لمن لا يعرف الفصول الفلاحية، ولا يميز بين البوري والسقوي، ولا بين الترس والحمري، أن يمثل منطقة فلاحية؟ وكيف لمرشح في مدينة كبرى مثل الدار البيضاء أن يجهل عدد عمالاتها، وتنوع سكانها، وتعقيد مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية؟
إن المرشح الحقيقي ينبغي أن يكون ابن بيئته، أو على الأقل عارفا بها، منصتا لأنينها، قريبا من نبضها، قادرا على تحويل مطالبها إلى مرافعات داخل المؤسسة التشريعية. أما المرشح المظلي، الذي ينزل على المنطقة في موسم الانتخابات ثم يختفي بعدها، فلا يمكن أن يصنع ثقة، ولا تنمية، ولا تمثيلا صادقا.
نحن اليوم في حاجة إلى برلمان متكامل من حيث التكوين والنزاهة والقدرة على الخطاب، خصوصا ونحن مقبلون على محطات كبرى، منها الدفاع المستمر عن القضية الوطنية، والاستعداد للمواعيد الدولية الكبرى، وفي مقدمتها المونديال، إضافة إلى تحديات داخلية ثقيلة، مثل الغلاء، وارتفاع الأسعار، والبطالة، والفقر، والتضخم، واضطراب التوازنات الدولية. وهذه القضايا لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى كفاءات قادرة على التفكير، والتحليل، والاقتراح، والمحاسبة.
المغرب يضم ملايين المواطنين، ومن غير المعقول ألا نجد بينهم وجوها جديدة وكفاءات نزيهة تستحق الثقة. فاستمرار الوجوه نفسها، بالعقليات نفسها، لا يمكن أن ينتج إلا النتائج نفسها. والفريق الضعيف في الدفاع والوسط والهجوم لا ينتصر بمجرد تغيير القمصان أو رفع الشعارات، بل يحتاج إلى لاعبين أكفاء، ومدرب مسؤول، وجمهور واع.
لذلك، فإن صوت المواطن شهادة، ولا ينبغي أن تكون شهادة زور. فإما أن يختار الناخب من يستحق بصدق، وإما أن يتحمل نتيجة اختياره. أما بيع الصوت، أو الانسياق وراء الطبول والمزامير والخيام الانتخابية، أو الاكتفاء بالحياد السلبي، فلن يصنع إلا برلمانا ضعيفا لا يسمع أنين الناس ولا يترجم آمالهم.
إن امتحان الصندوق هو اللحظة التي يعز فيها المرء أو يهان؛ فإذا كانت بعض الأحزاب صماء لا تسمع أنين الناس، وبكماء لا تحسن مخاطبتهم بلغة الصدق والمسؤولية، فإن المواطن ليس مجبرا على تزكيتها بصوته. فالصوت أمانة، والاختيار شهادة، والبرلمان لا يصلح إلا بمن جمع بين الكفاءة والنزاهة والقرب من هموم المواطنين. لذلك، فإن التغيير الحقيقي يبدأ من وعي الناخب، ومن شجاعة الأحزاب في تقديم الأصلح، حتى يصبح البرلمان فضاء لخدمة الوطن، لا ممرا للمصالح الضيقة والوجوه المستهلكة.


