حينما يحل التوجس محل التحليل و”التكفير الرمزي والإقصائي” محل صراع البرامج والأفكار
عبد العزيز رجاء فاعل مدني الرئيس المؤسس لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب

كلمة لابد من أن استهل بها مقالي : “مع احتفاظي بتقديري للدكتور طارق التلاتي وإعجابي بالعديد من مداخلاته وتحليلاته السياسية التي تتسم غالبًا بالرصانة ووضوح الفكرة، فإن ظهوره الأخير لم يكن بنفس القدر من التوازن، وربما غلب عليه في بعض جوانبه تأثير انتمائه إلى حزب الأصالة والمعاصرة المشارك في الحكومة الحالية.
في اللحظات التي يُفترض أن يرتقي فيها النقاش العمومي إلى مستوى التحليل الرصين القائم على الوقائع والأرقام والحجج العلمية، تنزلق بعض المداخلات الإعلامية نحو منطق التخويف واستدعاء قاموس الإقصاء والشيطنة. ويزداد الأمر خطورة عندما يصدر هذا الخطاب عن أستاذ جامعي يُقدم للرأي العام باعتباره محللاً سياسياً مستقلاً، بينما توحي مواقفه بأنه أقرب إلى موقع الفاعل السياسي منه إلى موقع الباحث أو الأكاديمي.
وفي هذا السياق، تثير المداخلة الأخيرة للأستاذ الجامعي الدكتور طارق اتلاتي، عبر إحدى القنوات الأجنبية، أكثر من علامة استفهام حول الحدود الفاصلة بين التحليل السياسي الموضوعي وبين الاصطفاف السياسي. فالمتلقي ينتظر من الأستاذ الجامعي أن يقدم قراءة متوازنة تستند إلى الوقائع والمعطيات والأرقام، لا أن ينخرط في معارك سياسية بالوكالة أو يتحول إلى مدافع عن طرف سياسي ومهاجم لخصومه.
فالمكانة الأكاديمية لا تستمد مشروعيتها من حدة المواقف أو من توزيع شهادات الوطنية والشرعية، وإنما من استقلالية الفكر والقدرة على الحفاظ على المسافة النقدية نفسها من جميع الفاعلين السياسيين. وعندما يطغى التوجس على التحليل، ويتحول الخصم السياسي إلى خطر وجودي أو تهديد أمني بمجرد الاختلاف معه، فإننا لا نكون أمام قراءة علمية بقدر ما نكون أمام محاولة لإعادة تشكيل النقاش العمومي بمنطق الوصاية على اختيارات المواطنين.
فخ التصنيف الجاهز وصناعة الخوف
من أخطر ما يهدد الثقافة الديمقراطية شيوع منطق التصنيف المسبق. فبدلاً من مناقشة البرامج والحصيلة والسياسات العمومية، يتم اللجوء إلى إلصاق أوصاف سياسية وأخلاقية جاهزة بالخصوم، بما يحولهم من منافسين سياسيين إلى أعداء ينبغي التحذير منهم أو عزلهم رمزياً.
هذا الأسلوب لا يقدم للمتلقي أي معرفة سياسية حقيقية، بل يراهن على إثارة المخاوف واستنفار المشاعر. والحال أن الخوف ليس حجة، كما أن التوجس لا يمكن أن يحل محل الدليل. ففي دولة القانون لا تُبنى الأحكام على الانطباعات والإيحاءات، وإنما على الوقائع والقرائن والمؤسسات المختصة.
كما أن دستور سنة 2011 حسم في هذه المسألة بوضوح عندما اعتبر الأحزاب السياسية مؤسسات دستورية تساهم في تأطير المواطنين والتعبير عن إرادتهم والمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب الديمقراطي.
كما أن حل الأحزاب أو توقيفها ليس اختصاصاً إعلامياً أو سياسياً، وإنما إجراء قضائي مؤطر بضمانات قانونية صارمة. ولذلك فإن محاولة إخراج أي حزب قانوني من دائرة الشرعية السياسية عبر المنابر الإعلامية لا تعدو أن تكون شكلاً من أشكال محاكمات النوايا التي تتناقض مع روح الدستور ومنطق دولة المؤسسات. وهذا ما تؤكده الأدبيات القانونية الدولية باستمرار بضرورة الحذر من التوسع المفرط في استعمال مفهوم الإرهاب وتحويله إلى توصيف سياسي فضفاض. فمثل هذا السلوك لا يضر فقط بالمنافسة السياسية السليمة، بل يساهم أيضاً في تمييع مفهوم قانوني شديد الخطورة.
الهروب إلى فزاعات الخارج وتجاهل الأسئلة الحقيقية
إن ربط الاختيارات الديمقراطية للمغاربة برضا هذه العاصمة الأجنبية أو تلك لا يستند إلى منطق سياسي سليم، لأن العلاقات الدولية تبنى على المصالح الاستراتيجية والمؤسسات لا على مواقف ظرفية أو أشخاص عابرين. والأهم من ذلك أن المواطن المغربي لا تشغله يومياً سيناريوهات الغضب الخارجي أو الحسابات الجيوسياسية بقدر ما تشغله قضايا الغلاء والبطالة وتراجع القدرة الشرائية وجودة التعليم والصحة. لذلك، فإن النقاش العمومي الجاد لا ينبغي أن ينصرف إلى تخويف المواطنين من خيارات سياسية مفترضة، بل إلى مساءلة الحصيلة الحكومية وتقييم نتائج السياسات العمومية على أرض الواقع. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من يجب التخويف منه، وإنما ماذا حققت الحكومة الحالية من وعودها؟ وكيف تفسر اتساع الفجوة بين الالتزامات المعلنة والنتائج المحققة في عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت قطاعات واسعة من الرأي العام تعتبر الحكومة الحالية من أكثر الحكومات تعرضاً للانتقاد في تاريخ المغرب الحديث..
القدرة الشرائية تحت الضغط
لا يحتاج المواطن المغربي إلى فزاعات سياسية ليشعر بالقلق، فارتفاع أسعار المواد الأساسية وتزايد تكاليف المعيشة جعلا القدرة الشرائية في صدارة الاهتمامات اليومية للمغاربة.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن نسبة مهمة من الأسر المغربية صرحت بتراجع مستوى معيشتها خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الطبقة المتوسطة والفئات الهشة.
التشغيل بين الوعود والنتائج
رغم الوعود المعلنة بإحداث مليون منصب شغل، ما زال ملف البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، يشكل أحد أكبر التحديات الاجتماعية المطروحة. كما تواصل تقارير سوق الشغل التنبيه إلى هشاشة جزء مهم من فرص العمل المحدثة وعدم قدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين
الدولة الاجتماعية بين الطموح والإكراهات
رغم أهمية ورش الحماية الاجتماعية باعتباره أحد أكبر الأوراش الإصلاحية في المغرب الحديث، فإن تحديات التغطية الصحية وجودة الخدمات واستدامة الأنظمة الاجتماعية ما زالت قائمة.
وتبقى فئة المتقاعدين من أكثر الفئات تأثراً بارتفاع تكاليف المعيشة والعلاج والأدوية، في ظل محدودية المعاشات وجمودها، وصعوبة التكيف مع موجات الغلاء المتتالية.
الحكامة وتحدي الثقة
إن بناء الثقة في المؤسسات لا يتم عبر شيطنة الخصوم السياسيين، وإنما عبر ترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا الإطار، يظل موضوع الحكامة ومحاربة الفساد من أبرز المعايير التي يقيس المواطن من خلالها أداء المؤسسات العمومية. كما أن استمرار تراجع المغرب في المؤشرات الدولية المرتبطة بإدراك الفساد يطرح أسئلة حقيقية حول نجاعة الإصلاحات ومدى قدرتها على تعزيز الثقة العامة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية ليس وجود أحزاب مختلفة ومتعارضة في رؤاها وبرامجها، بل انتشار خطاب يجعل من الاختلاف السياسي تهديداً أمنياً ومن التعددية الديمقراطية خطراً وجودياً.
ومن هنا فإن ما كان ينتظره الرأي العام من الأستاذ الجامعي طارق التلاتي، باعتباره محللاً سياسياً هو قراءة نقدية موضوعية تنطلق من الأرقام والمؤشرات والوقائع الملموسة، لا من التخويف أو الاصطفاف أو محاكمات النوايا.
فالدولة الواثقة من مؤسساتها لا تحتاج إلى توزيع صكوك الاتهام، بل إلى احترام القانون والاحتكام إلى المؤسسات وترك الكلمة الأخيرة للمواطن. أما الديمقراطية الناضجة فلا تقاس بقدرة طرف على تخويف خصومه أو إقصائهم رمزياً، بل بقدرته على إقناع المواطنين ببرنامجه وحصيلته وقدرته على تقديم حلول واقعية لمعضلات التشغيل والغلاء والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية بما في ذلك تحسين وضعيات المتقاعدين ، والفئات الهشة.
وهناك فقط يبدأ النقاش السياسي الحقيقي، وهناك فقط يصبح التحليل السياسي في خدمة للحقيقة وللمصلحة العامة، لا أداة للتعبئة أو الاصطفاف.




