رأي

هل أصبح المغرب فعلا أقوى اقتصاد صناعي في إفريقيا ؟ وما السر في ذلك ؟

د عبد اللطيف سيفيا

بقية الحديث … تؤكد تقارير حديثة تؤكد أن المغرب أصبح في صدارة التصنيف الإفريقي للتصنيع، متجاوزًا جنوب افريقيا لأول مرة منذ سنوات طويلة. لكن من المهم التوضيح أن الجهة التي أصدرت هذا التصنيف هي البنك الإفريقي للتنمية، وليس البنك الدولي ، وبحسب مؤشر التصنيع الإفريقي لسنة 2025 حصل المغرب على 0.8415 نقطة في حينن حصلت جنوب إفريقيا حصلت على 0.8396 نقطة ، وهذا ما وضع المغرب في المرتبة الأولى قارياً.

ويعزو التقرير هذا التقدم إلى عدة اسباب ، منها تطوير القاعدة الصناعية ، تنويع الصادرات ، نمو قطاعات السيارات والطيران والفوسفاط والصناعات المرتبطة بها ثم الاستثمارات في البنية التحتية والمناطق الصناعية واللوجستية مثل طنجة ميد وإيطالبريس . في المقابل، يشير التقرير إلى أن جنوب إفريقيا ما زالت من أكبر الاقتصادات الصناعية في القارة، لكنها شهدت تراجعًا تدريجيًا في تنافسيتها الصناعية خلال السنوات الأخيرة.
إذن الصياغة الأدق هي أن البنك الإفريقي للتنمية صنّف المغرب كأكثر اقتصاد صناعيًا في إفريقيا سنة 2025، متجاوزًا جنوب إفريقيا لأول مرة في مؤشر التصنيع الإفريقي.
و تحول المغرب إلى أحد أبرز المراكز الصناعية في إفريقيا لم يكن نتيجة عامل واحد، بل ثمرة استراتيجية طويلة الأمد امتدت على أكثر من عقدين، اعتمدت على مجموعة من الأسس والإمكانات المتكاملة يمكن تصنيفها في ما يلي :
1. البنية التحتية الحديثة
من أبرز نقاط القوة المغربية ، ميناء طنجة ميد ، الذي أصبح من أكبر الموانئ في البحر المتوسط وإفريقيا ، شبكة طرق سيارة تربط المراكز الصناعية بالموانئ والأسواق ، القطار فائق السرعة البراق ، مناطق لوجستية وصناعية مجهزة لاستقبال المستثمرين ، هذه البنية خفضت تكاليف النقل والتصدير وجعلت المغرب منصة إنتاج موجهة للأسواق العالمية.
2. الموقع الجغرافي ، بحيث يقع المغرب عند ملتقى أوروبا ، إفريقيا ، المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.
وتفصل مدينة طنجة عن إسبانيا مسافة قصيرة عبر مضيق جبل طارق، ما يمنح الشركات المصنعة وصولًا سريعًا إلى الأسواق الأوروبية.
3. سياسة صناعية واضحة بحيث أطلقت الدولة عدة برامج صناعية متتالية مثل مخطط الإقلاع الصناعي ، مخطط التسريع الصناعي و الاستراتيجية الصناعية الجديدة.
وكان الهدف الانتقال من اقتصاد يعتمد على الفلاحة والخدمات إلى اقتصاد يعتمد على التصنيع والتصدير.
4. جذب الاستثمار الأجنبي بحيث استقطب المغرب شركات عالمية كبرى مثل مجموعة رونو ، ستيلانتيس ، بوينغ و سافران ، وزذلك عبر حوافز ضريبية ، مناطق صناعية متخصصة ، تبسيط الإجراءات الإدارية ثم اتفاقيات حماية الاستثمار.
5. التركيز على قطاعات ذات قيمة مضافة ، بحيث بدل محاولة تصنيع كل شيء، ركز المغرب على قطاعات محددة كصناعة السيارات ، بحيث أصبحت صناعة السيارات أكبر قطاع تصديري في البلاد، وأحد أكبر القطاعات الصناعية في إفريقيا.وصناعة الطيران ، تصنيع أجزاء الطائرات ، أنظمة الأسلاك الكهربائية ، مكونات المحركات ، الفوسفاط والصناعات الكيميائية تقودها مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط عبر تحويل الفوسفاط إلى منتجات وأسمدة ذات قيمة مضافة بدل تصديره خامًا فقط.
6. اتفاقيات التجارة الحرة بحيث يستفيد المغرب من اتفاقيات مع:الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعدد من الدول العربية والإفريقية. وهذا يسمح للمنتجات المصنعة في المغرب بالدخول إلى أسواق واسعة بشروط تفضيلية.
7. الاستقرار السياسي والمؤسساتي بحيث يُنظر إلى المغرب من قبل العديد من المستثمرين باعتباره بيئة أكثر استقرارًا من عدد من الدول الإفريقية، وهو عامل مهم عند اتخاذ قرارات الاستثمار الصناعي طويلة الأجل.
8. تطوير التكوين المهني بحيث تم إنشاء معاهد متخصصة لتكوين كتقنيي السيارات ، مهندسي الطيران ، العاملين في الصناعات الإلكترونية والميكانيكية ، ما وفر يدًا عاملة مؤهلة بتكلفة تنافسية مقارنة بأوروبا.
9. التحول نحو الطاقات المتجددة عندما استثمر المغرب بكثافة في الطاقة الشمسية والريحية، ومن أبرز المشاريع
“مركب الطاقة الشمسية نور بوارزازات” وهذا يساعد على توفير الطاقة للصناعة وتقليل الاعتماد على الواردات الطاقية.
هل أصبح المغرب أقوى اقتصاد صناعي في إفريقيا؟
بحسب مؤشر التصنيع الإفريقي لعام 2025، تصدر المغرب الترتيب متجاوزًا جنوب إفريقيا. لكن ذلك لا يعني أنه يتفوق على جنوب إفريقيا في كل المؤشرات الاقتصادية؛ فجنوب إفريقيا ما زالت تمتلك قاعدة صناعية ثقيلة أكبر في بعض المجالات مثل التعدين والصلب والصناعات الكيماوية الثقيلة. أما تفوق المغرب فيرتبط أساسًا بالتنافسية الصناعية، الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وتنوع الصادرات الصناعية.
لذلك يمكن القول إن نجاح المغرب جاء من مزيج بين البنية التحتية الحديثة، والانفتاح التجاري، وجذب الاستثمار، والتركيز على قطاعات صناعية استراتيجية، والاستقرار المؤسساتي، وليس من عامل واحد منفرد… وللحديث بقية …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى