
يطرح التساؤل حول مستقبل اليسار المغربي سؤالا جوهريا حول وجوده الفعلي في المشهد السياسي الراهن. هل ما زال اليسار يمثل قوة حقيقية، أم أنه مجرد ذكرى سياسية تحاول إثبات وجودها؟ هذا المقال سيتناول أبعاد هذه الأزمة، مستعرضا السياق التاريخي، أسباب التراجع، والآفاق المستقبلية، معززاً ذلك بأمثلة وشواهد.
في مراحل تاريخية سابقة، كان اليسار المغربي يمثل أكثر من مجرد تجمعات حزبية انتخابية. لقد كان تعبيرا عن طموح اجتماعي وثقافي وسياسي واسع، حملته أجيال من المناضلين الذين انخرطوا في قضايا العدالة الاجتماعية، الكرامة، والحرية، وسعوا لتغيير البنية السياسية والاقتصادية للمجتمع 1.
محطات تاريخية بارزة لليسار المغربي
يشكل تاريخ اليسار المغربي أحد أهم فصول الحياة السياسية المعاصرة بالمغرب، إذ ارتبط منذ نشأته بقضايا التحرر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وقد بدأ تشكله الحديث مع تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959 إثر انشقاقه عن حزب الاستقلال، حيث تبنى خطابا أكثر راديكالية وانتقد طبيعة السلطة وتوزيع الثروة والاختيارات الاقتصادية للدولة. وخلال هذه المرحلة استطاع اليسار استقطاب فئات واسعة من الطلبة والمثقفين والعمال، خاصة في المراكز الحضرية الكبرى، وأصبح يمثل أحد أهم التعبيرات السياسية عن المطالب الاجتماعية والديمقراطية.
ومع دخول المغرب مرحلة السبعينات والثمانينات، التي عرفت لاحقا بسنوات الرصاص، تعرضت قوى اليسار لضغوط سياسية وأمنية كبيرة، غير أن ذلك لم يمنع ظهور تنظيمات ماركسية لينينية راديكالية مثل (إلى الأمام) و(23 مارس)، التي اختارت العمل السري ورفعت شعارات التغيير الجذري. وفي هذه الفترة تعزز الحضور الفكري والسياسي لليسار داخل الجامعات والنقابات المهنية والعمالية، حيث لعبت الحركة الطلابية، وخاصة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، دورا بارزا في نشر الوعي السياسي والنقاشات الفكرية حول الديمقراطية والاشتراكية وحقوق الإنسان.
ومع نهاية التسعينات دخل اليسار المغربي مرحلة جديدة تمثلت في تجربة التناوب التوافقي سنة 1998 بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، وهي التجربة التي اعتبرت منعطفا تاريخيا في مسار المعارضة اليسارية، إذ انتقل جزء مهم من اليسار من موقع المواجهة والاحتجاج إلى موقع المشاركة في تدبير الشأن العام. وقد ساهمت هذه التجربة في تحقيق بعض الإصلاحات السياسية والمؤسساتية، لكنها في الوقت نفسه أثارت نقاشا واسعا حول حدود المشاركة في السلطة وثمن التوافقات السياسية. ومع مرور الوقت بدأ الرصيد النضالي التاريخي لبعض مكونات اليسار يتاكل تدريجيا، نتيجة صعوبة التوفيق بين الخطاب المبدئي ومتطلبات التدبير الحكومي، إضافة إلى التحولات الاجتماعية وصعود فاعلين سياسيين جدد.
وبذلك انتقل اليسار المغربي من مرحلة النضال والتعبئة الجماهيرية إلى مرحلة المشاركة المؤسساتية، مرورا بسنوات الصدام والعمل السري، وهو مسار يعكس التحولات التي عرفها المجتمع والدولة في المغرب، كما يفسر الكثير من التحديات التي يواجهها اليسار اليوم في سعيه إلى استعادة دوره وتأثيره داخل الحقل السياسي والاجتماعي.
وقد كانت الجامعات، النقابات، والشارع فضاءات طبيعية لحضوره وتأثيره، حيث كان بمثابة مدرسة للنضال والتثقيف والتنظيم. من أبرز الأحزاب اليسارية التاريخية في المغرب نجد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، اللذين لعبا أدوارا محورية في الحياة السياسية المغربية. وقد تميزت هذه الأحزاب بتبنيها لخطاب راديكالي يدعو إلى إصلاحات عميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية، وتوسيع الحريات الديمقراطية 2.
أسباب التراجع من مشروع التغيير إلى التدبير
لم يكن تراجع اليسار المغربي مجرد نتيجة لعوامل انتخابية ظرفية أو إخفاقات تنظيمية عابرة، بل يعكس أزمة أعمق مست جوهر المشروع اليساري نفسه ووظيفته التاريخية داخل المجتمع. فبعد أن كان اليسار يمثل، خلال عقود طويلة، حاملا لمشروع التغيير السياسي والاجتماعي، ومدافعا عن قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحقوق والحريات، وجد نفسه تدريجيا ينتقل من موقع الفاعل الساعي إلى إعادة تشكيل الواقع إلى موقع الفاعل المنشغل بالتكيف معه وإدارته. وقد ترتب عن هذا التحول فقدان جزء كبير من جاذبيته الرمزية وقدرته على التعبئة، إذ لم يعد ينظر إليه باعتباره قوة تحمل أفقا سياسيا مختلفا، بل باعتباره فاعلا حزبيا لا يختلف كثيرا عن باقي الفاعلين الذين يتحركون داخل الحدود نفسها وتحت السقوف ذاتها.
وقد تزامن هذا التحول مع تغيرات عميقة عرفها المجتمع المغربي مست البنيات الاجتماعية التي شكلت تاريخيا الخزان البشري لليسار. فالطبقة العاملة التي كانت تمثل إحدى أهم قواعده عرفت تحولات كبيرة بفعل إعادة هيكلة الاقتصاد وتوسع القطاع غير المهيكل وتراجع الصناعات التقليدية، كما فقدت النقابات جزءا مهما من قدرتها التأطيرية والتعبوية. أما الجامعة، التي كانت فضاء مركزيا لإنتاج النخب اليسارية وتجديد الأفكار، فقد تراجع فيها الحضور اليساري لصالح فاعلين آخرين أو لصالح حالة عامة من العزوف السياسي. ونتيجة لذلك، وجد اليسار نفسه معزولا عن الفئات التي كانت تمنحه شرعيته الاجتماعية والتاريخية، دون أن ينجح في بناء قواعد جديدة قادرة على تعويض هذا التراجع.
وزادت المشاركة في المؤسسات المنتخبة والحكومات المتعاقبة من تعقيد هذه الأزمة، إذ انتقل جزء مهم من اليسار من خطاب التغيير إلى منطق التدبير. ولم يعد السؤال المركزي هو كيف يمكن تغيير موازين القوى وإنتاج إصلاحات عميقة، بل كيف يمكن الحفاظ على الحضور داخل المؤسسات وضمان الاستمرارية التنظيمية والتمثيلية. ومع مرور الوقت أصبح الهم الانتخابي يطغى على الهم الفكري والسياسي، وتحولت الانتخابات من وسيلة لخدمة مشروع مجتمعي إلى غاية في حد ذاتها. وهكذا تراجع البعد النضالي لصالح حسابات التمثيل والمواقع، الأمر الذي أفقد اليسار جزءاً من صورته التاريخية كقوة معارضة تحمل مطالب التغيير.
وفي الوقت نفسه، فقد اليسار جانبا مهما من دوره الثقافي والفكري. فخلال مراحل سابقة كان قادرا على إنتاج الأفكار وصياغة المفاهيم وتأطير النقاش العمومي عبر حضور قوي للمثقفين والباحثين والفاعلين النقابيين داخل فضاءاته. أما اليوم، فقد أصبح يعاني من ضعف واضح في إنتاج الرؤى القادرة على تفسير التحولات الاجتماعية والثقافية الجديدة، من قضايا الهوية والتحولات الرقمية إلى أشكال الهشاشة الحديثة وتغير أنماط الاحتجاج. وبفقدان هذه الوظيفة الفكرية، فقد اليسار أحد أهم مصادر قوته التاريخية، لأن الأحزاب لا تعيش فقط بالأصوات الانتخابية، بل أيضا بقدرتها على إنتاج المعنى وصياغة الأفق الجماعي.
كما ساهمت الانشقاقات المتكررة والصراعات الداخلية في استنزاف ما تبقى من رصيده التنظيمي والرمزي. فقد تحول تاريخ اليسار المغربي، في جانب منه، إلى سلسلة من الانقسامات التي أضعفت قدرته على التراكم وبناء قوة سياسية مستقرة. ورغم المبادرات المتعددة لتوحيد مكوناته، فإن أغلب هذه المحاولات اصطدمت بخلافات سياسية وتنظيمية وشخصية حالت دون بناء قطب يساري قوي ومتماسك. وبدل أن تظهر هذه المبادرات كخطوات نحو التجديد، بدت في كثير من الأحيان مجرد محاولات دفاعية لمواجهة التراجع المستمر.
لذلك فإن أزمة اليسار المغربي لا يمكن اختزالها في ضعف النتائج الانتخابية أو محدودية التمثيل البرلماني، بل هي أزمة مشروع ووظيفة ودور تاريخي. فالتحدي الحقيقي الذي يواجهه لا يتمثل فقط في استعادة المقاعد أو تحسين حضوره المؤسساتي، وإنما في استعادة قدرته على الارتباط بالمجتمع وإنتاج أفكار جديدة والتعبير عن التحولات العميقة التي يعيشها المغرب. ومن دون مراجعة نقدية شاملة تعيد تعريف موقعه ووظيفته وأدوات عمله، سيظل حضوره محصوراً في النقاشات المغلقة والفضاءات الافتراضية، بينما تتراجع قدرته على التأثير الفعلي في المجتمع وصناعة التحولات السياسية والثقافية.
نمط جديد من الممارسة السياسية التكيف مع الممكن
يعيش اليسار المغربي منذ سنوات حالة من التراجع السياسي والتنظيمي جعلت حضوره في المشهد العام أقل تأثيرا مما كان عليه خلال العقود السابقة. فبعد أن ارتبط اسمه بمشاريع التغيير الاجتماعي والدفاع عن الفئات الشعبية وخوض معارك الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، أصبح اليوم يواجه أزمة عميقة تمس هويته ووظيفته ودوره التاريخي. وقد ساهمت عدة عوامل في هذا التراجع، من أبرزها تآكل قواعده الاجتماعية التقليدية، وضعف قدرته على استقطاب الأجيال الجديدة، وفقدان خطابه لجزء كبير من قوته التعبوية، إضافة إلى اندماجه التدريجي في مؤسسات التدبير السياسي وما رافق ذلك من تنازلات فرضتها موازين القوى القائمة.
وفي ظل هذه التحولات، برز نمط جديد من الممارسة السياسية داخل العديد من مكونات اليسار يقوم على التكيف المستمر مع الواقع القائم أكثر مما يقوم على السعي إلى تغييره. فبدلاً من رفع شعارات التغيير الجذري والتحول المجتمعي العميق، أصبح الخطاب يركز على حدود الممكن السياسي وعلى الحفاظ على المواقع التنظيمية والتمثيلية المتاحة، مهما كانت محدودة. ورغم أن هذا الخيار قد يضمن استمرارية بعض التنظيمات داخل المؤسسات المنتخبة أو داخل المشهد الحزبي، فإنه يطرح في المقابل سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة اليسار على الاحتفاظ بجوهره كقوة اقتراح وتغيير، لا كفاعل يسعى فقط إلى ضمان البقاء.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد يتعلق بموت اليسار المغربي أو اختفائه من الوجود القانوني والسياسي، بل بمدى انتهاء النموذج التاريخي الذي مثله لعقود طويلة. فشهادة الوفاة السياسية لا تصدر بمجرد استمرار الأحزاب أو مشاركتها في الانتخابات، وإنما عندما تفقد قدرتها على تمثيل الفئات الاجتماعية التي ادعت الدفاع عنها، وعندما تتحول من قوة تحمل مشروعا مجتمعيا إلى مجرد فاعل انتخابي محدود التأثير. لذلك يمكن القول إن الأزمة الراهنة تعكس نهاية مرحلة تاريخية أكثر مما تعكس اختفاء فكرة اليسار نفسها.
وفي المقابل، تبرز مؤشرات على تشكل أنماط جديدة من الفعل الاجتماعي والسياسي خارج الأطر الحزبية التقليدية. فالحركات الاحتجاجية المحلية، والتنسيقيات المهنية والقطاعية، والمبادرات المدنية التي تنشط عبر الفضاء الرقمي، أصبحت تعبر عن جزء مهم من المطالب المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية والبيئية. وهذه الأشكال الجديدة تختلف عن اليسار الحزبي الكلاسيكي من حيث الأدوات والخطاب والتنظيم، إذ تعتمد على التعبئة المرنة والشبكات الاجتماعية أكثر من اعتمادها على الهياكل التنظيمية الصلبة والانضباط الحزبي التقليدي.
ومع ذلك، فإن التاريخ السياسي يبين أن الأفكار الكبرى لا تختفي بسهولة بمجرد تراجع التنظيمات التي حملتها في مرحلة معينة. فالأسباب الاجتماعية التي ساهمت في ظهور اليسار، مثل التفاوتات الاجتماعية ومطالب العدالة والكرامة والحقوق، ما تزال قائمة وإن اتخذت أشكالاً جديدة. لذلك قد لا يكون المستقبل لليسار التقليدي الذي عرفه المغرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بل لأشكال جديدة من التعبير السياسي والاجتماعي قد تنشأ من خارج الأحزاب القائمة وتحمل القيم نفسها بلغة مختلفة وأدوات أكثر انسجاما مع التحولات الراهنة. وعليه، فإن ما يشهده اليسار المغربي اليوم قد لا يكون موتا نهائيا لفكرته، بقدر ما هو أزمة انتقال وتحول في الأشكال والوسائل والفاعلين الذين سيتولون مستقبلا التعبير عن مطالب العدالة الاجتماعية والتغيير الديمقراطي.
الخلاصة
إن أزمة اليسار المغربي هي أزمة وظيفة تاريخية. فعندما يعجز أي تيار سياسي عن تجديد وظيفته، يصبح بقاؤه مجرد مسألة إدارية لا سياسية ويتحول الحزب من فاعل يصنع التاريخ إلى شاهد على تحولات لا يملك القدرة على التأثير فيها. يتطلب تجاوز هذه الأزمة مراجعة عميقة للخطاب، الهياكل التنظيمية، والقدرة على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة، بالإضافة إلى القدرة على التوحد وتجاوز الانقسامات التاريخية.



