
بين “هندسة الصمت” ومراوغات “التكنو- سياسي”: تفكيك حلقة “ساعة الصراحة” مع رئيس الأحرار محمد شوكي
لم يكن من قبيل الصدفة أن تستهل حلقة “ساعة الصراحة” مع محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، بملف سوق الأضاحي وغلاء الأكباش؛ بل بدا المشهد أشبه بـ “طُعم إعلامي” جرى إعداده وتلقينه بعناية. لقد دخل الضيف بلاتو البرنامج وهو “حافظ لدروسه” جيداً، مدركاً أن الأزمة المعيشية المرتبطة بالعيد هي العنوان الأبرز الذي يشغل الرأي العام المغربي، فتحصّن وراء تبريرات “العوامل الهيكلية” و”الجفاف” و”التداعيات الدولية” ليمتص الصدمة الأولى، محولاً النقاش من لغة المحاسبة السياسية إلى لغة التدبير الاقتصادي البارد.
لكن السقوط الحقيقي في هذه الحلقة لم يكن في “شعبوية الردود” فحسب، بل تمثل في الإخراج المهني والسياسي لمسيرَي الحوار (سناء رحيمي وجامع كلحسن)، اللذين ظهرا – إما بتواطؤ مسبق أو بضعف في الأداء – بمظهر من ترك “الحبل على الغارب” للضيف؛ حيث استأثر شوكي بالكلام، مستغلاً مهارات التواصل الرقمي الموجه التي يتقنها حزبه، ليمدد الوقت دون إعطاء إجابات شافية، ممارساً “الهيمنة على الميكروفون” لمنع الصحفيين من محاصرته أو مقاطعته.
لماذا غُيّب ملف “الفايق” واختفت “مقصيّة” المحاسبة؟
لم يتوقف العطب المهني لـ “ساعة الصراحة” عند سوء تدبير الملفات الاجتماعية، بل تجسد في قفز البرنامج فوق قضية ثقيلة كادت تعصف بالضيف سياسياً وقضائياً؛ وهي الشكاية التي رفعها البرلماني المعتقل رشيد الفايق ضد محمد شوكي بتهمة “خيانة الأمانة” والنصب على مبلغ 100 مليون سنتيم من أموال الحملة الانتخابية لعام 2021.
وكان حرياً بالبرنامج – التزاماً بـمبدأ “الصراحة” – استدعاء محاميه الأستاذ محمد حاسي، الذي كشف لوسائل إعلام كـ “صوت المغرب” وموقع “نيشان” كواليس اتفاق ودي لتمويل الحملة بـ 800 مليون سنتيم، دفع منها الفايق 200 مليون كدين، استرد 80 مليوناً فقط، ليبقى المبلغ المذكور عالقاً بذمة رئيس الأحرار. إن إغفال هذا الملف المثير والاكتفاء بالأسئلة “الناعمة” حوّل البلاتو من منصة مكاشفة إلى أداة لتبييض الوجوه والتغطية على صراعات الكواليس المالية للحزب القائد للحكومة.
مشاكسة الخمسي: “نقطة الضوء” التي عرت “الشعبوية الاقتصادية” ولعبة الاستحواذ
رغم محاولات الإغراق في التبرير، شكّلت مداخلة الأستاذ الخمسي نقطة الضوء اليتيمة في هذه الحلقة؛ إذ نجح بوقفته التحليلية المتزنة في وضع الإصبع على مكامن الخلل البنيوي، محاصراً الضيف بأسئلة حارقة حول مصادر تمويل “السبونسورينغ” الرقمي، ونزيف هجرة الكفاءات، ومدى استهداف مخطط المغرب الأخضر لـ “التاجر الفلاحي” على حساب “الإنسان الفلاح”.
ولعل ذروة المشاكسة تجلت عندما أثار الخمسي مفهوم “الشعبوية الاقتصادية” وتكييف القوانين للاستفادة من الثروة دون مجهود؛ وهنا تحديداً أبان رئيس الأحرار عن تقصير واضح في الفهم – أو لعله تظاهر بذلك تجنباً لأي زلة لسان – حيث كان يقتنص أي إشارة تقترب من مربع “تضارب المصالح” المحظور، ليستحوذ مجدداً على الميكروفون ويمرر رده الجاهز والمعبأ سلفاً، ناعتاً الحقائق بـ “الشعبوية الخطابية” للهروب من قفص الاتهام العلمي والرقابي الذي وضعه فيه الخمسي بكل رصانة.
تبديد “ثواني الحسم” خلف جدار “العموميات والخطاب الفئوي”؟
تجلت ذروة الانكشاف في الحلقة عند معالجة “ملف التقاعد” عبر مداخلة الأخ محمادي عروض، رئيس الجمعية الوطنية لمتقاعدات ومتقاعدي أطر الإدارة التربوية وعضو المكتب التنفيذي لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب. ورغم القيمة النضالية المشهود بها للرجل وإلمامه العميق بتفاصيل الملف، إلا أن تساؤله سقط ضحيةً لـ “العموميات الخطابية”؛ حيث أهدر ثواني الحسم الثمينة في ملاحقة شعارات “الدولة الاجتماعية” وتبادل التحايا الفضفاضة، والتركيز على مطلب مشروع لكنه يظل “فئويًا” ومحصورًا في أطر الإدارة التربوية.
لقد غاب عن المداخلة حشر الضيف في زاوية الواقع المعيشي المأساوي لأغلب المتقاعدين والمتقاعدات وذوي الحقوق، وكان الأجدر استغلال تلك اللحظة الذهبية لقصف البلاتو بالمطالب الحارقة والمصيرية: الزيادة الفورية المباشرة في المعاشات، والرفع العاجل للحد الأدنى لها لضمان العيش الكريم. كان حرياً بالأخ عروض تفكيك الأرقام والإجراءات الالتفافية التي تتبجح بها الحكومة، والتي لم تمس في جوهرها سوى بضعة آلاف من المتقاعدين، بينما تركت السواد الأعظم يئن تحت وطأة التهميش والغلاء، دون إحداث أي أثر حقيقي ينهي معاناتهم المزمنة.
كان حرياً بهذه المداخلة أن تنسف مساحيق “العدالة الاجتماعية” المزعومة وتضع النقاط على الحروف عبر حقائق حارقة:
تسمية الضحايا وكسر التجميد: كان يجب على الأخ عروض قصف البلاتو بحقيقة أن المعاشات المجمدة منذ ما يزيد عن ربع قرن هي وصمة عار تخص أساساً متقاعدي الصندوق المغربي للتقاعد (CMR) الذي ينتظر التسوية النهائية لما بذمة الدولة من ديون وفوائدها، وأن نسبة 5% الهزيلة التي مُنحت للقطاع الخاص (CNSS) لم تكن سوى فتات استُثنيت منه فئات واسعة ولم يغير من واقع الفقر المرير للمتقاعد شيئاً.
تفكيك بروباغندا الإعفاء الضريبي: بدلاً من ابتلاع طُعم إصلاح الضريبة على الدخل كإنجاز تاريخي، كان عليه تعرية هذا الإجراء وكشفه بأنه ليس سوى عملية “ذر رماد في العيون”؛ فالمعطيات الصادمة تؤكد أن نسبة المتقاعدين الخاضعين أصلاً للضريبة على الدخل لا تتعدى 4% فقط. هذا الرقم الفاضح يعني أن أزيد من 96% من المتقاعدين يملكون معاشات هزيلة ومسقوفة هي معفية أصلاً من الضريبة بقوة القانون، وبالتالي فإن “الهدية الحكومية” المتبجح بها لم تلامس الواقع المعيشي للسواد الأعظم من هذه الفئة المقهورة. في المقابل، هو إجراء استباقي لأصحاب المعاشات السمينة، ومن ضمنهم الوزراء الذين شرّعوا لأنفسهم تقاعداً مريحاً.
بين فزاعة “الاستدامة” والوعود المتبخرة: كواليس تصفية ملف التقاعد وراء الأبواب المغلقة.
لم يخرج رد محمد شوكي عن دائرة الشعبوية والمراوغة المعهودة؛ إذ سارع إلى التحصن وراء فزاعة “الاستدامة المالية”، شاهراً في وجه البلاتو رفضه لما أسماه “القرارات الشعبوية التي تهدد بانهيار صناديق التقاعد”، ومحاولاً بجرعة زائدة من الوردية الادعاء بأن… الحكومة تضع المتقاعد في صلب أولوياتها. وهو الزعم الذي لا تفنده مرارة الواقع فحسب، بل تسقطه التصريحات الرسمية المسجلة لوزراء حكومته أنفسهم.
فبالعودة إلى الأرشيف القريب لتصريحات وزيرة الاقتصاد والمالية والوزير المنتدب المكلف بالميزانية، نجد أن الحكومة أغدقت مراراً وتكراراً – سواء تحت قبة البرلمان أو في جولات الحوار الاجتماعي – وعوداً قطعية تلتزم بإنهاء ملف إصلاح أنظمة التقاعد وتقديم مشروع قانون شامل قبل إسدال الستار على الولاية التشريعية الحالية. غير أن الأيام كشفت أن تلك الالتزامات لم تكن سوى “كلام ليل يمحوه النهار”؛ إذ لا يزال الملف يدور في حلقة مفرغة داخل سراديب اللجان والتقارير التقنية الجافة، ولا زال المتقاعد الحالي ينتظر تحسين وضعيته الهشة.
وهنا يطرح السؤال الحارق نفسه ليفضح ازدواجية المعايير الحكومية: كيف تجرؤ الحكومة في كل مرة على ضخ المليارات لدعم قطاعات ريعية شتى، وآخرها صياغة مساطر وقوانين تدعم البنوك والمصحات التي تشتكي مشاكل مالية، في حين لم تتجرأ ولا لمرة واحدة على تخصيص دعم مالي مباشر لإنقاذ صناديق التقاعد؟ إنها المفارقة المخزية؛ تدفق الدعم بسخاء نحو اللوبيات والشركات، بينما يُحرم منه السواد الأعظم من المتقاعدين المهددين بقطع أرزاقهم، رغم الصيحات والتقارير السوداء المتتالية الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات وهيئات دستورية وطنية أجمعت على الوضعية الكارثية لهذه الصناديق وتنبأت بقرب إفلاسها الوشيك.
والأدهى من ذلك كله، هو مأسسة سياسة التغييب والإقصاء الممنهج ضد المعنيين بالأمر من متقاعدين وهيئات وجمعيات تمثلهم، والذين يُراد صياغة مصيرهم ورسم ملامح جيوبهم وراء أبواب مغلقة، في ضرب صارخ للمقاربة التشاركية وتعزيز صارم لسياسة الأمر الواقع.
قبل الخلاصة …
إن حلقة “ساعة الصراحة” أثبتت – بما لا يدع مجالاً للشك – أن الحزب القائد للتحالف الحكومي، والمستعد لخوض انتخابات شتنبر 2026 بإعلانات ممولة على مواقع التواصل الاجتماعي، يملك آلة تواصلية رقمية ضخمة تلتهم الوقت والبلاتوهات، لكنه يفتقر إلى صراحة حقيقية تمتلك الشجاعة لإنصاف فئة المتقاعدين التي أفنت عمرها في خدمة الوطن.
لقد كشفت الحلقة هندسة واضحة لتمرير الحصيلة الوردية وإخفاء النقط السوداء؛ إذ كيف للبرنامج أن يدّعي “الصراحة” في وقت يهرب فيه الضيف بمستقبل بفئات اجتماعية مختلفة وخاصة شريحة “المتقاعدين” إلى لجان مجهولة، بينما يُسدل الستار تليفزيونياً على ملفات بحجم اتهامات رشيد الفايق المالية، والتي ستظل ندبة سياسية يسأل الرأي العام عن كواليسها؟ في النهاية، كانت حلقة للتسويق السياسي بامتياز، أضاع فيها المحاورون والمُتدخلون فرصة نزع مساحيق التجميل عن وجه “الدولة الاجتماعية” المزعومة، وعن شعار “الصراحة” المفتقد خلف الأبواب المغلقة. باستثناء مداخلة الاستاذ الخمسي التي ستبقى صرخة في واد الحكومة الحالية.




