طلع الشجرة… شكون لقالها ليك؟ أندرايف بين النقل السري، الضرائب، وسلامة السائق والراكب
منير لكماني ألمانيا
02/06/26
لم يعد الجدل حول تطبيقات النقل في المغرب مجرد خلاف بين سيارات الأجرة وسائقي التطبيقات، ولا مجرد حملة عابرة ضد سائقين يبحثون عن مورد رزق. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تكشف منطقة رمادية يقف فيها السائق وحده في الواجهة، بينما يظل التطبيق مفتوحا، والراكب يستعمل الخدمة، والوسطاء يروجون، والدولة تراقب وتعاقب، ثم يقال للسائق عند أول سقوط: “طلع الشجرة… شكون لقالها ليك؟”.
قانونيا، يستند جزء كبير من النقاش إلى الظهير الشريف رقم 1.63.260 المتعلق بالنقل بواسطة السيارات عبر الطرق. فالفصل 24 منه يعاقب بالغرامة والحبس أو بإحدى العقوبتين كل من يستغل مصلحة عمومية لنقل المسافرين أو البضائع بواسطة سيارة دون قبول أو ترخيص، أو بواسطة سيارة غير مرخص فيها، كما يشمل من يستغل مكتبا للنقل أو يمارس الوساطة بين الناقل والزبون خارج الإطار القانوني. ومعنى ذلك، ببساطة، أن نقل الأشخاص بمقابل ليس فعلا عاديا يترك للمبادرة الفردية وحدها، بل نشاط منظم يحتاج إلى ترخيص، وتأمين، ومراقبة، ومسؤولية.
لكن استعمال التطبيق في حد ذاته لا ينبغي أن يقدم للرأي العام كما لو كان جناية. فالجناية في القانون ترتبط بأفعال وعقوبات أشد، بينما ما يثار في هذا الباب يتعلق غالبا بممارسة نقل بمقابل دون ترخيص، أو بوساطة غير منظمة قانونا، وهي أقرب إلى منطق المخالفة أو الجنحة بحسب الحالة. وهنا تظهر المفارقة: إذا كان السائق يعاقب لأنه استجاب لطلب نقل عبر التطبيق، فلماذا لا يفتح النقاش بالصرامة نفسها حول المنصة التي تربط بين السائق والراكب؟ ولماذا لا يطرح السؤال حول الوسطاء والصفحات التي تستقطب السائقين؟ ولماذا يبقى التطبيق متاحا للتحميل والإستعمال إذا كانت الخدمة تعتبر غير قانونية في الممارسة؟
إن حجب تطبيق رقمي أو منعه كليا ليس قرارا بسيطا، لأنه يرتبط بمساطر قانونية وتقنية وبطبيعة نشاط المنصة ومقرها وخوادمها. غير أن صعوبة المنع لا تبرر سياسة نصف الباب: التطبيق حاضر، الخدمة جارية، الطلب موجود، السائق يشتغل، ثم حين تقع المراقبة يصبح وحده الحلقة الضعيفة. العدل لا يكون بتجريم السائق في الشارع وترك المنظومة تتحرك في الهاتف.
وتزداد الصورة غموضا حين يثار موضوع الضرائب. هل هناك دليل قاطع على أن سائقي “أندرايف” يؤدون الضرائب بصفتهم سائقي تطبيقات؟ لا يمكن الجزم بذلك على وجه العموم دون معطيات رسمية منشورة. قد يوجد من صرح بدخله في إطار المقاول الذاتي أو أي وضعية ضريبية أخرى، وقد يوجد من لا يصرح بشيء. لكن حتى لو أدى بعضهم ضريبة على دخل محقق، فهذا لا يعني تلقائيا أن نشاط النقل أصبح مرخصا. فالضريبة تعالج الدخل، أما رخصة النقل فتعالج مشروعية النشاط وسلامة الركاب والمنافسة وشروط التأمين. ومع ذلك يبقى السؤال مشروعا: إذا كانت الإدارة تقبل التصريح الجبائي من شخص يشتغل في هذا المجال، فهل نحن أمام إعتراف ضمني، أم أمام جباية بلا حماية وتنظيم؟
الأخطر من الغرامة والحجز هو سؤال السلامة. من يحمي السائق حين يقبل رحلة في ساعة متأخرة؟ من يتحقق من هوية الراكب؟ من يتحمل المسؤولية إذا وقع اعتداء أو سرقة أو قتل؟ ومن يحمي الراكب إذا صعد سيارة لا يعرف وضعها القانوني ولا تغطيتها التأمينية ولا أهلية سائقها؟ إن قضية المرحوم ياسين، سائق “إندرايف” المنحدر من جماعة سيدي الطيبي، كما تداولتها وسائل إعلام ومنصات إجتماعية بعد العثور عليه جثة في ظروف صادمة، حولت السؤال من مجرد ترخيص إلى سؤال حياة أو موت. لم يعد النقاش هل التطبيق قانوني أم لا فقط، بل هل يشتغل الناس داخل منظومة آمنة أم داخل مغامرة يومية بلا ضمانات؟
ولهذا، فالمطلوب ليس حربا بين الطاكسي وسائق التطبيق، ولا شيطنة التكنولوجيا، ولا ترك السائقين لمصيرهم. المطلوب قانون واضح يحدد من يحق له الإشتغال، وبأي شروط، وتحت أي تأمين، وبأي مراقبة، ومع أي حماية إجتماعية. فإذا أرادت الدولة منع هذا النشاط فلتمنعه بمنطق شامل وعادل، يشمل المنصة والوسيط والسائق، لا السائق وحده. وإذا أرادت تقنينه فلتفتح الباب لرخص خاصة، وسجل مهني، وتأمين إلزامي للركاب والسائقين، وربط ضريبي شفاف، ومسؤولية قانونية للمنصات الرقمية.
إن ترك الوضع كما هو لا يخدم أحدا. المهني المرخص يشعر بالمنافسة غير العادلة، وسائق التطبيق يعيش تحت تهديد الحجز والغرامة والخطر، والراكب يستعمل خدمة لا يعرف حدود حمايتها، والدولة تخسر فرصة تنظيم قطاع فرضه الواقع. لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا صعد السائق الشجرة؟ بل: من ترك السلم منصوبا، ومن كان يصفق من تحتها، ومن ينتظر سقوطه ليتبرأ منه؟




