رأي

الأمن الغذائي المغربي بين رهان الاستيراد ومعاناة صغار الفلاحين

✍️ عبدالعزيز رجاء فاعل مدني

بين حقول أنهكها الجفاف لسنوات، وأخرى التهمتها النيران وهي على مشارف الحصاد، يقف الفلاح المغربي اليوم في قلب معادلة معقدة تتقاطع فيها رهانات الأمن الغذائي مع السياسات الزراعية وتقلبات الأسواق الدولية واختلالات العالم القروي. وفي الوقت الذي تنشغل فيه الحكومة بتدبير ملفات الدعم الفلاحي وأسواق المواد الأساسية، ما يزال آلاف الفلاحين الصغار يخوضون معركة يومية من أجل البقاء والاستمرار، رغم أنهم يشكلون إحدى الركائز الأساسية للإنتاج الغذائي الوطني.

وتزداد حدة هذا التناقض عندما نقارن حجم الموارد العمومية التي جرى تخصيصها لبعض برامج الدعم، بما في ذلك الدعم الموجه لقطاع تربية الماشية، بالوضعية الصعبة التي يعيشها المنتج الصغير. فبعد الجدل الذي رافق تدبير سوق اللحوم الحمراء والنتائج التي لم ترق إلى مستوى التطلعات المعلنة، يظل السؤال الجوهري مطروحًا: كيف يمكن الحديث عن أمن غذائي مستدام في وقت ما يزال فيه المنتج الصغير للغذاء الحلقة الأضعف في السلسلة؟

من الحقول إلى الموانئ… كيف أصبح الخبز رهين الأسواق الدولية؟

خلال العقود الأخيرة تحول القمح اللين من مجرد محصول فلاحي إلى قضية استراتيجية ترتبط بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمغرب. فالخبز الذي يحضر يوميًا على موائد ملايين الأسر أصبح مرتبطًا بشكل متزايد بما يجري في البورصات العالمية وموانئ التصدير ومناطق التوتر الجيوسياسي.

وقد دفعت سنوات الجفاف المتتالية المغرب إلى رفع وارداته من الحبوب لسد العجز الداخلي، مع تنويع مصادر التزود بين عدد من الأسواق الدولية. غير أن هذا التنويع لا يلغي حقيقة أساسية تتمثل في أن ارتفاع الاعتماد على الخارج يجعل الأمن الغذائي الوطني أكثر هشاشة أمام تقلبات الأسعار الدولية وأزمات النقل والطاقة والنزاعات الجيوسياسية.

وقد شكلت الحرب الروسية الأوكرانية مثالًا واضحًا على هذه الهشاشة، بعدما شهدت أسعار الحبوب ارتفاعات غير مسبوقة عالميًا، ما فرض على الدولة تخصيص اعتمادات مالية مهمة للتخفيف من آثار الأزمة على السوق الداخلية. ومع ذلك، لم تمنع هذه التدابير من تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصًا الفئات الهشة والمتقاعدين وذوي الدخل المحدود، في وقت تحولت فيه الأزمة الدولية إلى أحد أبرز المبررات الرسمية لتفسير الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية.

الوجه الآخر للاستيراد

قد يبدو الاستيراد حلًا سريعًا لضمان تموين السوق الوطنية، لكنه يحمل في المقابل كلفة اقتصادية واستراتيجية مرتفعة. فكل شحنة حبوب تصل إلى الموانئ المغربية تعني خروج مبالغ مهمة من العملة الصعبة، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد الوطني إلى استثمارات أكبر في الإنتاج المحلي والتخزين الاستراتيجي والبنيات التحتية الزراعية.

كما أن الاعتماد المفرط على الخارج يضع البلاد في وضعية تبعية غذائية متزايدة، بحيث يصبح تأمين مادة أساسية كالحبوب مرتبطًا بعوامل خارجية لا تملك الدولة أي سلطة مباشرة عليها. ومن هنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لا يزال المغرب، رغم ما يتوفر عليه من مؤهلات فلاحية وبشرية، عاجزًا عن تقليص تبعيته للحبوب المستوردة بالشكل المطلوب؟

موسم الأمل الذي أوقفته الحرائق

بعد سنوات من الجفاف، حمل الموسم الفلاحي الحالي بارقة أمل للفلاحين المغاربة بفضل التساقطات المطرية المهمة التي أعادت الحياة إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ورفعت توقعات محصول الحبوب إلى مستويات أفضل من السنوات السابقة.

بالنسبة لكثير من الفلاحين، لم يكن الأمر يتعلق فقط بتحقيق محصول جيد، بل بفرصة للخروج من دوامة الديون والخسائر التي راكمتها سنوات الجفاف. فقد اضطر عدد منهم إلى الاستدانة لاقتناء البذور والأسمدة والأعلاف، فيما لجأ آخرون إلى بيع جزء من مواشيهم أو استنزاف مدخراتهم في انتظار موسم يعيد بعض التوازن إلى أوضاعهم المالية.

غير أن هذا الأمل تعرض لانتكاسة مؤلمة بعدما اندلعت حرائق في عدد من المناطق الفلاحية قبيل الحصاد، مخلفة خسائر جسيمة في حقول القمح والشعير. وبالنسبة للمتضررين لم تكن تلك الحرائق مجرد أرقام في سجلات الخسائر، بل انهيارًا لمجهود شهور طويلة من العمل والانتظار.

وقد كشفت هذه الوقائع مرة أخرى هشاشة الفلاحة العائلية الصغيرة أمام المخاطر المناخية، كما سلطت الضوء على محدودية آليات الوقاية والتأمين والتعويض عن الكوارث الطبيعية.

اختلالات العالم القروي ومعاناة الفلاح الصغير

لا تتوقف معاناة الفلاح الصغير عند حدود الجفاف والحرائق، بل تمتد إلى اختلالات بنيوية داخل المجال القروي نفسه. فجزء مهم من وسائل الإنتاج الحديثة، وعلى رأسها آلات الحصاد والدراس والتجهيزات الفلاحية المتطورة، يظل متمركزًا لدى فئة محدودة من كبار المستثمرين والفلاحين الكبار.

وخلال مواسم الحصاد يصبح عامل الزمن حاسمًا، إذ قد يؤدي أي تأخر إلى ضياع جزء من المحصول أو تراجع جودته. وفي ظل محدودية المعدات المتاحة، يجد عدد من الفلاحين الصغار أنفسهم في موقع تفاوضي ضعيف أمام مالكي هذه الوسائل.

كما تذهب بعض الانتقادات إلى الحديث عن تداخل النفوذ الاقتصادي والانتخابي داخل بعض المناطق القروية، حيث يجمع بعض الأعيان بين امتلاك وسائل الإنتاج والخدمات الأساسية وبين التأثير السياسي المحلي. ولا يتعلق الأمر بإطلاق أحكام عامة أو التقليل من مساهمة كبار الفلاحين في التنمية، وإنما بطرح تساؤلات مشروعة حول عدالة توزيع وسائل الإنتاج ومدى قدرة السياسات العمومية على حماية الفلاح الصغير من مختلف أشكال التبعية الاقتصادية والاجتماعية.

دعم القمح أم دعم المواطن؟

من بين أكثر القضايا إثارة للنقاش استمرار توجيه جزء مهم من الدعم العمومي نحو المواد المدعمة بدل توجيهه مباشرة إلى الفئات المستحقة. فعندما يكون الدعم موجها للقمح أو الدقيق، فإن المستفيد لا يكون بالضرورة المواطن الفقير وحده، بل تستفيد منه أيضًا فئات ميسورة ومؤسسات وأنشطة اقتصادية مختلفة.

ومن هنا يبرز سؤال النجاعة والعدالة في تدبير المال العام: هل من المنطقي أن يستفيد الجميع من الدعم بنفس الدرجة؟ وهل تصل الاعتمادات المرصودة فعلاً إلى الفئات الأكثر هشاشة؟

لهذا تتزايد الدعوات إلى الانتقال التدريجي نحو دعم مباشر وموجه للأسر المستحقة عبر السجل الاجتماعي الموحد، بما يضمن ترشيد النفقات العمومية وتقليص هوامش الاستفادة غير المستهدفة.

“فضيحة الدقيق الورقي”… عندما يعرّي الواقع شعارات الحكامة

ازدادت هذه التساؤلات حدة مع الجدل الذي أثارته ما عُرف إعلاميًا بـ”فضيحة الدقيق الورقي”، بعدما كشفت تصريحات سياسية متداولة عن اختلالات محتملة في تدبير جزء من منظومة الدقيق المدعم، وما رافق ذلك من حديث عن التلاعب بالفواتير أو الاستفادة غير المشروعة من أموال الدعم.

وبغض النظر عن المآلات القضائية أو المسؤوليات الفردية التي تبقى من اختصاص المؤسسات المختصة، فقد أعادت هذه القضية إلى الواجهة سؤال الحكامة والرقابة وفعالية آليات التتبع والتفتيش، كما أبرزت الحاجة إلى ضمان وصول الدعم العمومي إلى أهدافه الاجتماعية الحقيقية بعيدًا عن أي ممارسات ريعية أو تلاعبات محتملة.

الأمن الغذائي لا يُبنى في الموانئ فقط

تكشف التجارب الدولية أن الأمن الغذائي الحقيقي لا يتحقق عبر الاستيراد وحده، ولا عبر ضخ أموال الدعم في قنوات تفتقر إلى الشفافية والمحاسبة، بل عبر القدرة على إنتاج جزء مهم من الحاجيات الغذائية محليًا.

ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز السيادة الغذائية يمر عبر دعم الفلاح الصغير، وتوسيع مشاريع السقي المقتصد للمياه، وتشجيع الزراعات المقاومة للجفاف، وتطوير البحث العلمي الزراعي، وتوفير التأمين ضد الكوارث الطبيعية، ومحاربة هيمنة الوسطاء على سلاسل التسويق.

كما يقتضي تشجيع التعاونيات الفلاحية المستقلة وتمكينها من اقتناء معدات الحصاد والتجهيزات الحديثة، حتى لا يبقى مصير آلاف الفلاحين رهينًا بميزان القوى الاقتصادية داخل المجال القروي.

لا أمن غذائي دون عدالة فلاحية وحكامة صارمة

تكشف قصة القمح في المغرب أن القضية أكبر بكثير من مجرد أرقام الاستيراد والدعم وأسعار الخبز. إنها في جوهرها قصة نموذج تنموي يواجه تحديات حقيقية في مجالات الإنتاج والتوزيع والرقابة والحكامة.

فالفلاحون الصغار الذين واجهوا سنوات الجفاف وتكبدوا خسائر الحرائق والكوارث الطبيعية لا يمكن أن يظلوا الحلقة الأضعف في منظومة يفترض أنها تشكل خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي الوطني. كما أن تقليص التبعية للأسواق الخارجية لن يتحقق دون إعادة الاعتبار للإنتاج المحلي وربط الدعم العمومي بالشفافية والمحاسبة والنجاعة.

إن بناء أمن غذائي مستدام لا يبدأ من الموانئ والأسواق الدولية فقط، بل يبدأ من الحقول المغربية، ومن ضمان شروط العيش الكريم للفلاح الصغير، ومن إرساء حكامة صارمة تجعل المال العام في خدمة الإنتاج والتنمية والعدالة الاجتماعية، لا في خدمة الريع واستغلال الأزمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى