
شهدت الساحة القضائية الفرنسية مؤخراً تحولاً خطيراً يمس في الصميم أركان دولة القانون والعدالة المنصفة، وتحديداً في الأحكام الصادرة في الاستئناف بحق الداعية الإسلامي عبد الحكيم الصفريوي، والتي قضت بتأييد عقوبة السجن المشددة لمدة 15 عاماً بتهمة “المشاركة في جمعية أشرار إرهابية” (AMT). إن قراءة متأنية ومجردة لأوراق هذه القضية تكشف أن إدانة الصفريوي لم تكن مبنية على أدلة مادية قطعية، بل كانت وليدة “هندسة قضائية رجعية” أقحمت العمل الفكري والسياسي في خانة الإرهاب دون سند من القانون.
1. غياب الرابط المادي: جناية بلا مشاركة فعلية
إن المبدأ الراسخ في القانون الجنائي الفرنسي هو أن جريمة “جمعية الأشرار” تتطلب إثبات ركن مادي ملموس يتمثل في الانخراط الفعلي في مجموعة تخطط لعمل تدميري. وفي حالة عبد الحكيم الصفريوي، أجمعت أوراق التحقيق والشهادات على أنه **لا يوجد أي تواصل مباشر، أو غير مباشر، أو تنسيق مسبق** (سواء عبر الهاتف أو الرسائل أو اللقاءات الفردية) بينه وبين القاتل الفعلي.
لقد اقتصر فعل الصفريوي على تصوير مقطع فيديو ونشره عبر الإنترنت للتنديد بما اعتبره تجاوزاً في حق الطلاب المسلمين. فكيف يمكن قضائياً اعتبار نشر فيديو عام على منصات التواصل الاجتماعي بمثابة “انخراط في تنظيم إرهابي سري”؟ إنها صياغة تعسفية لجريمة افتراضية بأثر رجعي لم يقل بها المشرّع قط.
2. تمييع الركن المعنوي: استبدال “النية الجنائية” بـ “المخاطرة”
لإدانة أي شخص بجناية إرهابية عمدية، يشترط القانون وجود “قصد جنائي مباشر”، أي أن يكون المتهم على علم بالمشروع الإرهابي المحدد وتوجهت إرادته لدعمه. لكن المحكمة، في خطوة غير مسبوقة، أدانت الصفريوي بناءً على مفهوم مطاطي جديد هو “الوعي بالمخاطرة”.
قالت المحكمة إن الصفريوي بنشره الفيديو “كان يعلم أن الأجواء مشحونة، وأن هذا قد يدفع شخصاً مجهولاً للقيام بعمل عنيف”. وهنا يكمن التجاوز الكبير؛ ففي القانون الجنائي، تُعد “الوعي بالمخاطرة” أو الإهمال خطأً غير عمدي يُعاقب عليه في المخالفات أو الجنح كحد أقصى (مثل جنح المرور أو حوادث الإهمال)، ولا يمكن أبداً استخدامه لتحويل موقف فكري إلى “جناية إرهابية عمدية” تصل عقوبتها إلى السجن لسنوات طويلة.
3. شهادة وزير الداخلية: رصاصة الرحمة على فرضية السببية
حتى فرضية أن الفيديو هو الذي قاد إلى الجريمة بشكل حتمي، دُمرت بالكامل خلال جلسات المحاكمة. فقد جاءت شهادة وزير الداخلية الفرنسي (الذي كان يشغل منصب المنسق الوطني للاستخبارات وقت الأحداث) حاسمة وصادمة للادعاء؛ حيث سُئل بوضوح: *”هل نشر اسم شخص في ذلك السياق يفرضه بالضرورة لخطر جسيم؟” فأجاب دون مواربة: “لا، هذا لا يعرضه بالضرورة لخطر جسيم”.
إذا كان رئيس جهاز الاستخبارات والمسؤول الأول عن الأمن القومي في البلاد يرى عدم وجود علاقة سببية حتمية ومباشرة، فكيف يسوغ للقضاء الاستناد إلى فرضيات غيبية لتشييد إدانة جنائية ثقيلة؟ علاوة على ذلك، تبين من أوراق القضية أنه لا يوجد أي دليل يثبت أن القاتل قد شاهد فيديو الصفريوي أصلاً قبل ارتكاب فعلته.
4. التراجع عن معايير محكمة الجنايات الدولية
إن إدانة الصفريوي بناءً على فكرة “أنه وفّر بيئة فكرية حسمت قرار القاتل المجهول” تشبه إلى حد بعيد نظرية “المشروع الإجرامي المشترك الموسع” (Joint Criminal Enterprise) التي حاولت بعض المحاكم الدولية المؤقتة تطبيقها سابقاً. غير أن هذه النظرية لاقت انتقادات لاذعة من فقهاء القانون لأنها تنتهك مبدأ شخصية العقوبة، وتم التخلي عنها تماماً في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وللأسف، فإن القضاء الفرنسي بقراره هذا، يتبنى أساليب تخلت عنها العدالة الدولية لعدم إنصافها.
خاتمة: المطالبة بتصحيح المسار القانوني
إن إدانة عبد الحكيم الصفريوي بـ 15 سنة سجناً بتهمة الإرهاب هي إدانة “سياسية ورمزية” جاءت لامتصاص غضب الرأي العام في بيئة مشحونة، وليست تطبيقاً صارماً للقانون. لقد تم التضحية باليقين القانوني وضمانات المحاكمة العادلة لصالح رغبة انتقامية عارمة.
إن هذا الحكم يفتح الباب على مصراعيه لجرّ أي ناشط سياسي، أو داعية، أو صاحب رأي إلى غياهب السجون بتهم إرهابية، لمجرد أن رأياً علنياً عبّر عنه تقاطع -دون علمه- مع هوى أو فعل إجرامي لطرف ثالث. من هنا، يصبح لزاماً على محكمة النقض التدخل لإلغاء هذا الحكم الجائر، وإعادة الأمور إلى نصابها القانوني الصحيح؛ فالعدالة لا تستقيم بالظنون، ودولة القانون تسقط عندما تُبنى الأحكام على التكهنات.



