رأي

محمد الفزازي حكاية أحوال من سالف الأيام

محمد عوام

بسم الله الرحمن الرحيم

النقد أساس التقويم والمراجعة.
أريد أن ألفت النظر إلى أن النقد البناء مهم في تقويم مسار أي حركة، أو حزب، أو جماعة بشرية، أو دولة، بل لم يسلم من ذلك حتى صف الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وهم المعصومون والمؤيدون بالوحي، لكن عند تدبيرهم للشأن العام، ونشر دعوتهم، قد تكون لهم اختيارات اجتهادية، على خلاف الأولى، فيأتي الوحي مصوّبا، ومستدركا، من ذلك في حق رسولنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، اجتهاده في أسرى بدر، حيث مال إلى رأي أبي بكر رضي الله عنه الذي جنح إلى أخذ الفدية، ولم يأخذ برأي عمر رضي الله عنه القاضي بقتل صناديد الكفر، فجاء القرآن معاتبا ومقررا ما ذهب إليه سيدنا عمر. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ [الأنفال: 67].
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يراجعون النبي صلى الله عليه وسلم، في الأمور الدنيوية الخاضعة للتقديرات البشرية، فكان عليه الصلاة والسلام، يرجع إلى رأي أحدهم حين يراه صوبا، من ذلك أخذه برأي الحباب ابن المنذر في السيطرة على ماء بدر، وهي خطة استراتيجية للهيمنة على الماء والتحكم فيه. فكانوا بذلك يفرقون بين ما هو صادر عن وحي، لا اجتهاد فيه، فيلتزمون به، ويقولون سمعنا وأطعنا، وما كان اجتهادا فيبدون رأيهم، من غير أن يجدوا في أنفسهم حرجا.
فليس العيب في إبداء الرأي والنقد، وإنما العيب والخلل أن يصدر النقد عن دواعي نفسية مزاجية، وأضغان وأحقاد كامنة في النفس، فيلتمس الناقد كل الشبهات، ويروج كل الترهات، ويلفق ويزور، لخدمة أجندة معينة، أو خدمة لما يطلب منه، إن كان مرتبطا بجهة مّا، تسيره من وراء حجاب. أما النقد العلمي الرصين والمسؤول فهذا لا يمكن لأي عاقل إلا أن يرحب به، ويحمده، ويحتفل به.
لماذا هذه المقدمة المختصرة المعتصرة، لأننا وجدنا محمد الفزازي قد اقتفى أثر اللجاج، وغرق في النزاع والحجاج، وانخرط في المخاصمة والمفاجرة والمكابرة لأبناء الحركة الإسلامية، لا سيما الذين يدافعون عن قضايا أمتهم، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وعلى وطنهم ضد التطبيع والصهينة وغيرها. فأخذ الفزازي على نفسه، أن يكيل لهم التهم، ويلصق بهم كل نقيصة، ويحرض عليهم، مستعملا في ذلك كل أساليب الشتائم (المتأيريون، الكوفيون، زوارق النكاح،…) وهلم جرا من القاموس الرديء الذي يمتاح منه، وهو قاموس يعبر عما يختلج في صدره، ويعتمل في فكره، كأنه لم يكن في يوم من الأيام صاحب دعوة وخلق، كما كان يروج عنه في أيام منصرمة.
وهذا المسلك الفزازي الاستفزازي -بالنسبة لي- ليس جديدا، وإنما هو نشأ مع طبيعة الفزازي السيكولوجية، وترعرع مع تقلباته، وصولاته وجولاته، لما كان يجوب مدن المغرب، منها الرباط، حيث يحرض الشباب على الجهاد، وكيف نجاهد، كأنه منذر جيش، سيفتح به الأقصى، وإن كانت قضية الأقصى لم يكن لها أي اعتبار في خطابه، ولا أخذت حظا وافرا من دروسه.
فحينها كان الفزازي يتصدى للحركة الإسلامية، يصف دعاتها وأبناءها بأصحاب (الدرابك)، لإنكاره عليهم الأناشيد بالدف وغيره. ولقد كانت لجماعة العدل والإحسان الحظ الأوفر من النقد اللاذع، باعتبار أنها جماعة صوفية، وشيخها عبد السلام ياسين رحمه الله رجل متصوف، والفزازي يكن عداء للمتصوفة، ويحسبهم طائفة خرافية بدعية شركية. وقد سمعت هذا منه بنفسي في محاضرة له بالرباط في إحدى الفيلات بحي مابيلا قرب اليوسفية، وبحضور والده يومئذ رحمه الله. فكانت سلاطة اللسان، والشدة في الكلام هي الطاغية، ويعتبر ذلك من التغيير الحضاري. ولم يكن يومها يتحدث عن المد اليساري، إلا عرضا، وفي كثير من الأحيان يغض الطرف عن وقاحتهم في الهجوم على الدين.
مما يدخل على النفس الريبة والحيرة، لماذا هذه السهام الخاسرة موجهة إلى أبناء الحركة الإسلامية يومئذ دون ذكر غيرهم من المفسدين، وهم كثر؟ ولماذا اليوم يصوب نفس السهام إلى المناضلين الشرفاء أمثال عزيز هناوي، وأحمد ويحمان، وحزب العدالة والتنمية، وأبطال أسطول الصمود، وبخاصة تلك العفيفات المصونات، فيقذفهن بما لا يليق؟
هذا يفتح أمام أي متابع عدة احتمالات:
هل هو حقد دفين وقديم بزغ نجمه من جديد، لتتميم المهمة القديمة؟
• هل هي مرحلة الخرف والسخف التي أصابت الرجل في مقاتله؟
• هل هي فعلا غيرة على الوطن والملك كما يدعي ويزعم ويحلو له أن يسميهم أعداء الوطن والملك، كأنه أخذ صكا من الملكية ليدافع عنها، وإن كانت واقعيا ليست في حاجة إليه؟
• هل هي وظيفة جديدة يقوم بها الرجل خدمة لأجندة معينة، ووفق ما قد يكون طلب منه؟
كل هذه الاحتمالات واردة، لكن إذا سبرنا وقسمنا بالمنطق الأصولي، انكشف لنا -احتمالا- أنها وظيفة جديدة انخرط فيها محمد الفزازي، شعر بذلك أم لم يشعر، قصد أم لم يقصد، لكن إصراره على المضي فيها، يؤكد هذا الاحتمال، ولعل قابل الأيام تكشف ذلك، وتزيح النقاب عن حقيقة الفزازي. ودليلي في ذلك أن الرجل لا هم له سوى التصدي لأبناء الحركة الإسلامية، حتى من خارج الوطن، (شماتته في الغنوشي)، وسكوته المطبق، وغير المفهوم عن المفسدين والمستبدين، الذين يبددون المال العام في صفقات مشبوهة، تفتقد المصداقية القانونية، وفراقشية…
والأدهى والأمر أن يصبح محمد الفزازي مدافعا عن التطبيع، بحجة أن فيه مصلحة للوطن، “وأن للدولة المغربية حوالي مليون يهودي مغربي في إسرائيل -على حد تعبيره- لهم جوازات مغربية، ولهم بيعة في أعناقهم لملوك المغرب”. ولم يكتف بذلك وإنما ألفيناه يحضر حفلا يهوديا مع عصيد وكلاب وغيرهم بمدينة مراكش. بحضور جاكي كادوش ممثل الطائفة اليهودية، مع أن هناك من داخل الطائفة من يشكك في تمثيليته، دعت إليه جمعية شراكة التي يرأسها رئيس الكيان الصهيوني إسحق هيرتزوك، ورئيس شراكة فرع المغرب يوسف أزهري وهو من مراكش، وهو الذي قال في متحف أصدقاء صهيون بأن النبي صلى الله عليه وسلم صهيوني. مما حمل بعض المناضلين الغيورين من أمثال عزيز هناوي، وأحمد ويحمان، ونبيلة منيب، وعبد القادر العلمي أن يرفعوا دعوة قضائية ضد البئيس المدعو أزهري، لكن لم تلق قبولا.
وفي هذا الحفل اليهودي رأى الناس محمد الفزازي ومن معه عصيد وكلاب وغيرهما، واقفين في خشوع وخضوع، استجابة لكادوش لينفخ في القرن، ليقيم بذلك عادتهم الدينية التوراتية.
هنا يتساءل المرء من خلال ماضي الفزازي، ودعوته “السلفية”، التي كان -حسب زعمه- يوالي ويعادي بها، ومن أجلها، هل يجوز في شرع الله الحضور لحفل ديني يهودي أو غيره، أليس ذلك من المنكرات الشنيعة والبدع الضالة؟ أين غابت العقيدة هنا التي كانت تحاكم المخالفين وتشن عليهم الحرب بسببها، وتسفه بهم ولو زورا؟.
وهل يجوز شرعا أن يجلس الفزازي مع من يقع في الجناب النبوي الشريف صلى الله عليه وسلم ويصفه بالصهينة؟
ثم متى كانت لليهود بيعة؟ أليست البيعة عقدا شرعيا إسلاميا خالصا في دين الله، وخاصا بالمسلمين؟ فهل يجد الفزازي بيعة لليهود في المدينة زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ونحن نعلم أن وثيقة المدينة، التي بمثابة دستور وقوانين تنظم العلاقات بين مكونات الدولة الجديدة التي أسسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تتكلم عن أي بيعة لليهود، وإنما هم كما ذكر العلماء أهل ذمة.
هنا يسقط الفزازي في مخالفة عقدية وشرعية، عقدية من كون البيعة ولاء للمسلمين، وعقدا شرعيا خاصا بهم، وشرعية كونه ابتدع في دين الله ما ليس منه، ولا تتسع له الأصول، ولا قال به أحد من العلماء. وهذا إنما يدل على أن الفزازي يتماهى مع الأطروحة الرسمية التي تسعى إلى توسيع معنى إمارة المؤمنين، حتى تشمل اليهود والنصارى، علما أن المصطلح لا يتسع لذلك، فهو خاص بالمسلمين، ثم لاختلاف مقتضيات الإيمان ومفهومه، وكل ما يتعلق به بيننا وبين أهل الكتاب. وتفصيل ذلك موجود في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسله. كما أفاض العلماء في بيانه وتقريره في مصنفاتهم، وعلى رأسهم القرافي والرازي وابن تيمية وغيرهم. فإذن مفهوما البيعة وإمارة المؤمنين، مفهومان خاصان بالمسلمين، لا يمكن تعميمهما على باقي الطوائف الدينية. لكن الفزازي أراد أن يعممهما، على حد التعبير المغربي: ماذا تعرف في العلم؟. قال: أن أزيد فيه. وهي طبعا زيادة غير محمودة، ولا مشروعة.
الفزازي في منزل الدكتور أحمد الريسوني
لم يكن لأستاذنا أحمد الريسوني أي صلة بمحمد الفزازي، طبعا يسمع عنه، تصله أخباره، فلما خرج الفزازي من السجن اتصل بي أحد الإخوة طالبا مني أن أخبر أستاذنا الريسوني برغبة الفزازي في زيارته. فما كان مني إلا أن اتصلت بأستاذي فأخبرته بذلك، فرحب.
جاءني الأستاذ الصديق ومعه محمد الفزازي وشخصان آخران، أحدهما كان من المعتقلين معه في سجن عكاشة بالدار البيضاء. ذهبنا جميعا إلى بيت أستاذنا الريسوني فرحب بنا. وبعدها طفق محمد الفزازي يحكي لنا ومضة من حياة السجن فمما ذكره، وبقي راسخا في ذاكرتي:
أن العامين الأوليين كانا قسيين عليه، حيث عاملوه معاملة سيئة، إلى حد أن جردوه من ملابسه كيوم ولدته أمه، على حد تعبيره، وتعرض للإذلال والإهانة. ولم يسمحوا له حتى بمصاحبة أي كتاب، فكان يكتب بعض الآيات أو السور على جدران الزنزانة التي كان يقيم بها، ونسيت بما كان يكتب، فقد ذكر ذلك.
ثم بعد العامين تسامحوا معه بشكل سخي، حيث أغدقوا عليه بعض الامتيازات، حتى قال لنا: إنه كان يعيش كأنه بفندق خمسة نجوم. وحكى أن زوجته كانت تأتي فيعطى لها من مؤونة لحوم ومواد غدائية وما شابه ذلك، فكانت تصحب ذلك معها للمنزل، فلم يكن في حاجة إلى أن تحمل هي له غداء أو طعام. كما كان يلقي الدروس والخطب على من معه من المعتقلين.
كما تحدث لنا عن بعض المعتقلين، وعلى رأسهم الشيخ الحسن بن علي الكتاني، وذكر من صبره، وجلده، وصلابته في الحق، وأثنى عليه خيرا.
وحينها تحدث معه أستاذنا الريسوني، ناصحا له أن يعمل في إطار القوانين الجاري بها العمل، ومما أذكر أنه حثه على تأسيس حزب، لأن له أتباعا، فيمكن من خلاله أن ينشد التغيير، أو يدعو إلى ما يطمح إليه. أما هو فقد كانت رغبته أن ينخرط في حزب الفضيلة، ولعله كان يرغب في الانضمام إلى حزب العدالة والتنمية، لكن الفكرة لم تطرح بجدية.
هذا باختصار ما حكاه، على أن الفزازي جرى به السير، وقذفت به الأمواج، ليختار مسلكا آخر، وهو التخصص في تسفيه أبناء الحركة الإسلامية، وبخاصة حزب العدالة والتنمية، وهذا ما تفصح عنه تدويناته وتسجيلاته الصوتية، فهو يقوم بوظيفة التشويش والتحريض والازدراء والتأليب على الحزب، لكن لا نجد له أي أثر تجاه الأحزاب الأخرى. مما يؤكد أن هذا التخصص الجديد، ليس بريئا، وإنما ينصب في خدمة أجندات معينة، كما قلنا، لأن المنطق العقلي يقتضي أن من ينتقد يكون متوازنا في نقده، ويستحضر كافة الأطياف الأخرى، لا سيما المتورطة في المال العام، والتي جلبت البؤس والقهر والعوز للمغاربة.
وصفوة القول: إن ما ذكرناه، ما هو إلا ومضات تختزل شخصية محمد الفزازي، وتبين مساره الجديد، ووظيفته الجديدة، وهي في الحقيقة لم تخرج عن منحاه القديم، وإنما ازدادت انكشافا ووضوحا، ولربما لا تخرج عن باقي الظواهر “المتسلفة” التي تتستر وراء “السلفية”، لكنها تعمل في سياق مخالف لما عليه السلف، لتحقيق مآرب، قد تنكشف مع قابل الأيام أكثر، وإن كانت آثارها بادية لأولى النهى. “ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور”.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. السلام عليكم ورحمة الله
    كم من الاشخاص حسدهم الشيطان على ما اوتوا من علم وفصاحة وقبول فاجتالتهم عن علم ودراية فأخرجتهم من دايرة الدعاة والمبلغين والمصلحين إلى دايرة الفاسدين والنمامين والمغتابين ، فهذا احدولدي ادم قتل اخاه وهذا عالم اسرائليين انسلخ من الدين والدعوة فكان من الغاوين إلى ان شبه بالكلب يلهث وعبدالله القاسمي السعودي العالم الذي ارتد عن دينه
    والفزازي نخشى عنه ونشفق عليه ان تمادى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى