رأي

“طاح أخنوش.. علْقو بووانو” ردا على “أحداث انفو”

حسن حمورو

أن تختلف الصحافة مع السياسيين، أو أن تنتقد المعارضة كما تنتقد الحكومة، فذلك أمر طبيعي بل ومطلوب في أي فضاء ديمقراطي. غير أن المثير للاستغراب هو أن تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى طرف سياسي كامل الأوصاف، يتولى الدفاع عن رئيس الحكومة عزيز أخنوش أكثر مما يدافع عن حق المواطنين في معرفة الحقيقة، وهذا بالضبط ما عكسه المقال الذي خصصه موقع “أحداث انفو” لعبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية.
فبدل مناقشة مضمون مداخلته أو تفكيك حججه السياسية، وبدل مساءلة رئيس الحكومة حول الأسباب التي فجرت الجدل خلال الجلسة الشهرية ليوم 8 يونيو 2026، اختار الموقع أن يرتدي ثوب الادعاء، وأن يقدم مرافعة سياسية ضد نائب برلماني يمارس حقه الدستوري في الرقابة والنقد.
ومنذ الأسطر الأولى للمقال، يتضح أن اللغة المستعملة ليست ابنة الثقافة السياسية المغربية، بقدر ما هي مستوردة من أدبيات إعلامية شائعة في بلدان أخرى، حيث يجري توظيف مفاهيم من قبيل “الأمن القومي” و”السلم الأهلي” لتجريم الخطاب المعارض وربطه بالفوضى والتهديدات الوجودية للدولة.
أما في المغرب، فلم يكن النقاش السياسي يوما قائما على هذه المفاهيم الفضفاضة، لأن المرجعية الحاكمة هي الدستور والمؤسسات والقانون لذلك فإن تحويل أي انتقاد للحكومة، ورئيسها تحديدا، إلى تهديد للأمن القومي، لا يخدم الدولة بقدر ما يخدم السلطة التنفيذية، ويمنحها حصانة غير مستحقة ضد المساءلة السياسية.
والأغرب من ذلك أن “أحداث انفو”، الشقيق بالرضاعة لجريدة “الأحداث المغربية”، تحدث في مقاله وكأنه الحارس الرسمي للدولة ومؤسساتها، في حين أن الدولة المغربية ليست في حاجة إلى أوصياء إعلاميين يتحدثون باسمها، لأن مؤسسات الدولة تستمد قوتها وشرعيتها من الدستور والقانون، ولا تحتاج إلى منابر تنصب نفسها متحدثا رسميا غير معلن باسمها أو باسم رئيس الحكومة.
إن السجال الذي دار بين بووانو، بصفته نائبا برلمانيا، وأخنوش، بصفته رئيسا للحكومة، داخل مؤسسة دستورية هي البرلمان، كان واضحا ومباشرا عنوانه مواجهة سياسية بين معارضة وأغلبية، وهو أمر يقع يوميا في مختلف البرلمانات الديمقراطية. غير أن “أحداث انفو” حاول توسيع دائرة هذا السجال وتحويله من خلاف سياسي مشروع، إلى قضية أمنية وأخلاقية ووطنية، وكأن المعارضة مطالبة بأن تعارض فقط داخل الحدود التي ترسمها لها بعض “غرف التحرير”.
والحال أن إثارة بووانو لموضوع إطلاق الرصاص لا يمكن فصلها عن سياقها السياسي والاجتماعي، لأن القضية لا تتعلق بمجرد استدعاء واقعة من الماضي أو إجراء مقارنة بين زمنين مختلفين، بل تتعلق بالخلفيات التي أفرزت تلك الأحداث.
ومن باب التذكير، فإن الاحتجاجات التي عرفتها بعض مناطق المغرب خلال فترة احتجاجات جيل z، وخاصة منطقة القليعة في أكتوبر 2025، لم تنشأ من فراغ، ولم تكن لتبلغ ذلك المستوى من التوتر لولا حالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي المتنامية منذ سنوات، وبالضبط منذ 8 شتنبر 2021. وهذا الاحتقان ليس قدرا منزلا، بل نتيجة مباشرة لسياسات حكومية عجزت عن الاستجابة لانتظارات المواطنين، وفشلت في بناء جسور الثقة والتواصل معهم، خصوصا مع فئة الشباب.
فعندما تغيب السياسة يحضر الشارع، وعندما تغيب الحكومة عن الإنصات والتواصل، تجد الأجهزة الأمنية نفسها في مواجهة مباشرة مع المحتجين، وحينها يختلط المواطن الغاضب بالقاصر المندفع، ويتسلل المنحرف والمخرب والمندس وسط الحشود، فتتعقد الأوضاع وتتسع احتمالات الانفلات.
من هذا المنطلق، فإن استحضار قضية الرصاص بين سنتي 1981 و2025 لا يتعلق بإثارة العواطف أو البحث عن الإثارة الإعلامية، كما يحاول البعض الإيحاء، بل بالتنبيه إلى أن الأزمات الاجتماعية، عندما تُترك دون معالجة سياسية حقيقية، قد تقود إلى أوضاع لا يرغب فيها أحد.
لكن بدل مناقشة هذه الخلفية السياسية والاجتماعية، اختار القائمون على “أحداث انفو” مهاجمة من أثار السؤال، وكأن المشكلة ليست في السياسات التي تولد الاحتقان، بل في من يتحدث عن الاحتقان.
ثم إن عبد الله بووانو ليس مدونا مجهولا ولا صانع محتوى رقميا يبحث عن “التكبيس”، بل هو نائب برلماني منتخب وممثل للأمة، يتمتع بحماية دستورية أثناء ممارسته لمهامه الرقابية والسياسية، وفي الأنظمة الديمقراطية توجه الأسئلة الصعبة إلى الحكومة لا إلى المعارضة، ويحاسب من يملك السلطة لا من يراقبها.
أما فيما يتعلق بالمال العام، فلا يمكن تجاهل أن بعض المنابر الإعلامية ما تزال تستفيد من دعم عمومي تحيط به أسئلة قانونية وأخلاقية عديدة، ومع ذلك تتصرف أحيانا كما لو أن وظيفتها الأساسية هي حماية رئيس الحكومة من النقد، بدل حماية حق المواطنين في الوصول إلى الحقيقة، فالدعم العمومي يفترض انه وجد من أجل تعزيز التعددية واستقلالية الصحافة، لا لتحويل بعض المؤسسات الإعلامية، ومنها “الأحداث المغربية” ومشتقاتها، إلى منصات للدفاع عن مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين الصحافة والنخاسة، فالصحافة تراقب السلطة مهما كان موقعها، وتسائل أصحاب القرار مهما كانت قوتهم، وتدافع عن حق المجتمع في المعرفة، أما السمسرة السياسية والإعلامية فشيء آخر تماما.
ومن زاوية أخرى، يبدو أن المشكلة الحقيقية التي يواجهها حزب العدالة والتنمية ليست في المقالات الهجومية هنا وهناك، وإنما في مقاومته للاحتفاظ باستقلاليته السياسية رغم كل محاولات الضغط والتطويع، ولذلك أصبح مجرد قيام بعض قياداته بأدوارهم الرقابية يثير انزعاجا أكبر من الاختلالات التي ينتقدونها.
وفي النهاية، لا يمكن أن تكون المعارضة هي المتهم الدائم في كل قضية، كما لا يمكن أن تتحول الصحافة إلى محكمة استثنائية لمحاكمة البرلمانيين المعارضين، إذ ان الديمقراطيات السليمة والناضجة تكون فيها الحكومة أول من يُسأل، وأول من يُحاسب، وأول من يُطلب منه تفسير أسباب الاحتقان قبل البحث عمن تحدث عنه. ولذلك، إذا كانت الحكومة قد أخفقت في تدبير ملفاتها السياسية والاجتماعية، فإن تحميل المعارضة أو بووانو مسؤولية هذا الإخفاق، لن يغير من الواقع شيئا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى