
بدايةً، وتحرياً للموضوعية العلمية والوضوح التام، وجب التصدير بأنني لستُ ممن تربطهم بالسيد محمد الفيزازي أي آصرة قرابة، أو مصلحة، أو معرفة شخصية مباشرة، ولم أكن أعرفه يوماً إلا كما عرفه المغاربة.
غير أن هذه المسافة النقدية بالذات هي ما يمنح هذه القراءة مشروعيتها وتجردها؛ إذ إن من حق الشيخ محمد الفيزازي بطبيعة الحال أن يختلف مع الإسلاميين، ومن حقه أن ينتقد الأحزاب والجماعات والشخصيات العمومية كما يشاء، فذلك من صميم حرية الرأي والتعبير التي يكفلها الدستور المغربي. لكن، في المقابل، من حق الرأي العام أيضاً أن يتساءل بإنكار شديد: لماذا تحولت أغلب خرجات الرجل في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه حملة مسعورة ودائمة ضد الإسلاميين بمختلف توجهاتهم، بينما يغيب القدر نفسه من الحدة والجرأة عن ملفات حارقة تؤرق المغاربة، كملفات الغلاء الفاحش، وتضارب المصالح، والاحتكار، والريع، وفضيحة عيد الأضحى، والدعم الملياري الممنوح لذوي القربى الحزبية، وغيرها من الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى؟
إن هذا التغافل المتعمد ينقلنا مباشرة إلى تأمل المراحل المتعددة والمتناقضة التي عرف فيها المغاربة الفيزازي في حياته الفكرية والسياسية؛ فمن داعية سلفي راديكالي سُجن على خلفية أحداث 16 ماي الأليمة التي عاشتها البلاد، تحول فجأة إلى مستفيد من عفو ملكي سنة 2011. وكان يُفترض في هذا المنعطف الاستثنائي أن يفتح أمامه صفحة عميقة من المراجعة والتسامح، لا أن يتحول إلى منصة إعلامية هجومية ومثيرة للجدل في صناعة ومواجهة خصوم من مختلف الأطياف والتوجهات. وبين هذه المحطات التي تكاد أن تكون متطرفة في تباينها، يظل السؤال النقدي قائماً بقوة: ما الذي تغير في الواقع حقاً؟ وما الذي تغير في الفيزازي نفسه؟ وهل نحن هنا أمام مراجعات فكرية حقيقية ومؤسسة على أسانيد علمية رصينة، أم أننا مجرد شهود على عملية إعادة تموقع براغماتية تتبدل فيها العناوين الخارجية بينما تظل عقلية الخصومة الإقصائية على حالها؟
وما يثير الغثيان والنقد الشديد في خطاب الفيزازي المتجدد، هو أنه لا يكتفي بنقد مواقف الإسلاميين أو تفنيد أطروحاتهم بالدليل —وهو حق لو مارسه بوعي لأفاد النقاش العمومي— بل كثيراً ما ينزلق من مناقشة الفكرة إلى التشكيك في النيات والوطنية والترصيد العَقدي، وكأن الخلاف الفكري لا يكتمل عنده إلا بإصدار أحكام أخلاقية وعقائدية تصفوية على المخالفين. فمن يعارضه أو يختلف معه في الرأي يتحول فوراً في قاموسه إلى تابع لجهة خارجية، أو ذيل لهذا الطرف أو ذاك، ومن ينتقده يصبح خصماً يستحق السخرية، والتجريح، والنعوت الجارحة. وقد امتدت سياط هذا الأسلوب الفج لتطال الجميع دون تمييز؛ من قياديين سياسيين، ونشطاء حقوقيين، وإعلاميين لم يرتكبوا سوى “جريمة” كتابة مقال تحليلي أو إبداء رأي مغاير. وبدلاً من مقارعة الحجة بالدليل، اختار الشيخ في غير ما مناسبة الرد بالتهكم السطحي والتنابز بالألقاب، في مشهد بئيس يجمع المتابعون على أنه لا يليق أبداً بحافظ لكتاب الله ودارس للعلم الشرعي. بل إن هذا الابتذال الخطابي وصل مداه حتى في القضايا التي تستدعي أعلى درجات الوقار، كقضية فلسطين ومبادرات التضامن الشعبي معها، حيث اختار لغة السخرية والتهوين، في الوقت الذي كان يُنتظر منه لغة الناصح الرحيم، مكرساً تناقضاً صارخاً مع الالتحام التاريخي مع القضية الفلسطينية ، قيادة وشعباً.
والغريب في هذه السيكولوجية المتقلبة، أن الرجل الذي بح صوته لسنوات وهو يشتكي من حملات التشويه والظلم التي استهدفته، أصبح اليوم يمارس بحذافيره الأسلوب الإقصائي نفسه الذي كان يرفضه ويرعد ضده حين كان موجهاً إليه. فالذي يطالب بالدليل والإنصاف لا يستبدل الحجة بالاتهام الجاهز، ولا البرهان بالتلميح الخبيث، ولا النقاش العلمي بالتجريح الشخصي. وفي السنة النبوية الشريفة ميزان قسط لا يخطئ يضرب في العمق سلوك الفزازي الحاضر: “ليس المسلم بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء”. إن هذا التركيز المتواصل والمفتعل على معارك مع الإسلاميين وغيرهم في غير معترك، يأتي في وقت يعيش فيه المغرب نقاشات مصيرية وحقيقية حول تراجع القدرة الشرائية، والبطالة، وأزمات التعليم والصحة ، ووضعيات شريحة واسعة من المواطنين تحت خط الفقر. وفي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن البسيط من الدعاة والعلماء الانحياز لآلام الناس اليومية، يجد نفسه مجبراً على متابعة معارك الفيزازي المتكررة ضد شخصيات سياسية وحقوقية وإعلامية، وكأن أزمة المغرب البنيوية تختزل في بضعة نشطاء.
وتتبدى المفارقة الكبرى والفاضحة هنا، في كون الفيزازي يهاجم الإسلاميين بدعوى توظيف الدين في السياسة، بينما يعتمد هو نفسه، وبشكل فج، على رصيده الديني ومكانته الدعوية السابقة للتأثير في النقاشات السياسية وتوجيه المواقف العامة لخدمة أجندات معينة. فالمشكلة إذن ليست في حضور الدين في المجال العام، بل في ازدواجية المعايير المقيتة عند تقييم هذا الحضور؛ فما يكون توظيفاً مداناً ومتاجرة بالدين عند الخصوم، يصبح فجأة “واجباً شرعياً” مقدساً عند الذات الفزازية. ومن ثم، فقد أصبح واضحاً للقاصي والداني أن جزءاً كبيراً من الجاذبية الإعلامية وهالة “البوز” التي يحظى بها الرجل اليوم لا تأتي مطلقاً من اجتهادات علمية جديدة أو إضافات فكرية نوعية، بل من قدرته على صناعة الجدل الرخيص وإثارة الخصومات المفتعلة؛ فكلما خفت بريقه وحضوره الإعلامي، عاد ليعتاش على مهاجمة خصوم مألوفين، وكلما برز حدث سياسي أو اجتماعي، حشر نفسه في قلب سجال جديد يعيد فيه إنتاج وتدوير الأسماء والاتهامات الجاهزة نفسها.
بيد أن قضية الفيزازي لا تقف عند حدود هذا الأسلوب العقيم في الخصومة، بل تفتح باباً أعمق وأخطر يتعلق بالحكامة المالية والإدارية داخل الحقل الديني المغربي. فوفقاً لما نشرته وسائل الإعلام، خاصة موقع “إطلالة بريس”، وأصبح متداولاً على نطاق واسع دون أي تكذيب، فإن الرجل لم يعتلِ منبر الخطابة منذ سنة 2017، أي ما يقارب عقداً كاملاً من الزمن، ورغم ذلك، ما زال يستفيد من مكافأة وتعويضات مهام لم يعد يزاولها ميدانياً! ودون أن يصدر منه إلى حدود اليوم أي توضيح رسمي ــــــــ فيما نعلم ــــــــ يرفع اللبس عن وضعيته كخطيب سابق بمسجد طارق بن زياد (المعروف بالمسجد السعودي) بطنجة. وهنا نتساءل بصرامة عن السبب الحقيقي بمنعه من ارتقاء المنبر؟وهل الأمر يتعلق بتوقيف مؤقت؟ أم أنه غياب واعتزال اختياري؟ وما هي طبيعة العلاقة القانونية والمادية التي ما تزال تربطه بمهمة غادرها منذ سنوات؟
إن هذه الوضعية الشاذة تطرح أسئلة مشروعة وحارقة، لا تستهدف شخص الفيزازي بعينه، بقدر ما تمس جوهر تدبير الشأن الديني وشفافيته؛ وهي أولاً سؤال المسؤولية: إذا كان الأمر قراراً إدارياً بالتوقيف، فلماذا تركت هذه الوضعية معلقة لسنوات طويلة دون حسم نهائي، إما بإعادة الإدماج أو بالإعفاء النهائي؟ وثانياً سؤال الأمانة والنزاهة: إذا كان الغياب اختيارياً من طرفه، فما مدى مشروعية استمرار استفادة الفيزازي من مستحقات مالية مرتبطة بمهمة ومسؤولية لم يعد يمارسها فعلياً على أرض الواقع؟ وبما أن المسجد المذكور لا يمكن قانوناً وشرعاً أن يبقى بدون خطيب، فقد تم تكليف شخص آخر بالمهمة، مما يعني بالضرورة أن ميزانية الشأن الديني تتحمل في هذه الحالة كلفة مزدوجة غير مبررة: نفقات مرتبطة بمنصب لا يمارس صاحبه مهامه (الفيزازي)، وتعويضات إضافية لمن يقوم بالمهمة فعلياً! فهل نحن أمام حالة معزولة أفرزتها تدخلات نافذة، أم أنها مؤشر على منطقة رمادية أوسع في تدبير وضعيات القيمين الدينيين بين التوقيف المؤقت والإعفاء النهائي، لتنتج لنا ما يمكن تسميته بصفة “القيم الديني الشبح”؟
إن المبدأ هنا راسخ فقهاً وقانوناً وتدبيراً: الأجر مقابل العمل، والاستحقاق المالي مقترن حتماً بأداء المنفعة. ومن ثم، فإن توضيح هذه الوضعية القانونية والمالية للرأي العام لا يخدم فقط متطلبات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة التي جعلها الدستور أساساً لتدبير الشأن العام، بل يحمي أيضاً سمعة المؤسسات من التأويلات. وتزداد هذه المفارقة قتامة حين يستحضر المرء أن الوزارة المعنية دأبت بصرامة على التأكيد على واجب التحفظ، وصيانة هيبة الرسالة الدينية لدى القيمين الدينيين. فكيف يستقيم إذن هذا الغياب الطويل عن المنبر مع حضور رقمي صاخب، شبه يومي ولا يهدأ، تتخلله ملاسنات، وسجالات، وتشنيعات لا تنسجم مطلقاً مع الوقار والسكينة المفترضين في من يحمل هذه الصفة؟ وهل تقتصر معايير تقييم القيمين الدينيين ومحاسبتهم على الجانب الوظيفي الصرف، أم تشمل سلوكهم العمومي والصورة التي يقدمونها لشرائح المجتمع؟ وهل مسموح لجميع القيمين الدينيين بالمغرب فتح صفحات وقنوات على وسائل الاتصال العمومي للجدال المبتذل، واستفزاز وتخوين كل من يخالفهم الرأي، أم أن الفيزازي حالة شاذة فوق القانون ويشكل استثناءً خالصاً؟
تأسيساً على ما سبق، وجب التأكيد على أن الاختلاف مع الإسلاميين وغيرهم لا يمنح صاحبه حصانة من النقد أو صكاً على بياض لخرق القوانين، كما أن الانتماء الإسلامي لا يمنح أصحابه صكوك البراءة أو العصمة. لكن النقاش الوطني الجاد يقتضي محاسبة الجميع بالمعيار الصارم نفسه؛ معيار الوقائع، والأفكار، والبرامج، والنزاهة، لا معيار الولاءات الشخصية، أو الاصطفافات الظرفية، أو تبادل المصالح. لقد أثبتت التجارب التاريخية أن المجتمعات لا تتقدم بخطابات التخوين، ولا بمعارك تصفية الحسابات الفكرية الضيقة، وإنما بالحوار الرصين والنقد المسؤول. أما تحويل كل خلاف فكري أو سياسي إلى معركة وجودية حامية بين “الحق المطلق” الذي يمثله الشيخ و”الباطل المطلق” الذي يرمي به خصومه، فهو أقرب إلى صناعة الاستقطاب الأعمى وتخريب الوعي الجمعي منه إلى خدمة الحقيقة والدين.
وعليه، وتأكيداً على ما سبق، فإننا نختم بكلمة نصح صادقة وموجهة، تُقال بالأدب الشرعي والمدني الذي نطالب به غيرنا:
- أولاً: مراجعة المسلك الفكري؛ إن اللجوء المستمر إلى التجريح والطعن في نيات وعقائد المخالفين هو حيلة العاجز مفاهيمياً عن مقارعة الحجة بالفكرة، وهو أسلوب لا يسيء للمنتقدين بقدر ما يهدم ما تبقى من وقار “المشيخة” والصورة الاعتبارية لحملة العلم الشرعي في هذا البلد.
- ثانياً: الانحياز الحقيقي لقضايا الناس؛ فالمنتظر من العالم والداعية الذي يحترم علمه أن يكون صوتاً مدوياً لمعاناة وهموم المواطنين في معيشهم اليومي، لا طرفاً أجيراً أو متطوعاً في سجالات هامشية تستنزف النقاش العمومي وتعيد إنتاج البغضاء.
- ثالثاً: العودة إلى أخلاق الحوار؛ فآية “وقولوا للناس حسناً” قاعدة ربانية محكمة لا تسقط بالخلاف السياسي أو الأيديولوجي. فالمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، وخير الناس من طال عمره وحسن عمله.
وفي نهاية المطاف، قد يختلف المغاربة كثيراً حول الإسلاميين، أو حول الفيزازي نفسه، لكنهم يجمعون حتماً على أن الفضاء الرقمي والنقاش العمومي بالمغرب يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مزيد من العقلانية، والنزاهة، والموضوعية، لا إلى مزيد من الضجيج، والاستفزاز، والسب، والقذف، وإلصاق التهم الجاهزة. فالأفكار تواجه بالأفكار، والحجج تقارع بالحجج، أما الأشخاص فزائلون لا محالة، ويبقى أثر الكلمة ومسؤوليتها الأخلاقية والتاريخية قائمة.



