
لا شك أن المقال يطرح قضية مهمة تتمثل في خطورة التوسع في التكفير وما يترتب عليه من تمزيق للنسيج الإسلامي وإضعاف لوحدة الأمة، وهي قضية ناقشها علماء الإسلام قديما وحديثا وحذروا من التسرع فيها، لما يترتب عليها من اثار شرعية واجتماعية خطيرة.
غير أن الإشكال في المقال لا يكمن فيما أثبته، بل فيما أغفله.
فالكاتب يتعامل مع التكفير وكأنه المشكلة المركزية التي تفسر أزمات المسلمين المعاصرة، بينما الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. ذلك أن مباحث الإيمان والكفر والانتماء إلى الإسلام ليست اختراعات حديثة ولا مجرد أدوات للإقصاء كما يصورها المقال، بل هي جزء أصيل من البناء العقدي الإسلامي الذي تشكل عبر قرون طويلة من الاجتهاد العلمي والضبط المنهجي.
فالإسلام كغيره من الأديان والفلسفات الكبرى، يملك تعريفا لهويته وحدودا عقدية تميزه عن غيره. وليس من الممكن الحديث عن أي عقيدة أو منظومة فكرية دون وجود معايير تحدد ما يدخل ضمنها وما يخرج عنها. ومن ثم فإن أصل البحث في مسائل الإيمان والكفر ليس مشكلة في ذاته، وإنما المشكلة تكمن في سوء توظيفه أو إساءة تنزيله على الأشخاص والجماعات.
كما أن الكاتب يربط بين واقع المسلمين في أوروبا وبين الحاجة إلى تجاوز هذه النقاشات العقدية، وكأن الأقليات المسلمة لا تواجه إلا تحديات نابعة من داخلها. والحال أن جزءا كبيرا من معاناة المسلمين في الغرب مرتبط أيضا بصعود الإسلاموفوبيا، وسياسات التمييز، والضغوط المتزايدة على الهوية الإسلامية، ومحاولات فرض نماذج معينة من الاندماج قد تتعارض أحيانا مع الخصوصيات الدينية والثقافية للمسلمين.
ومن اللافت أن المقال يطالب المسلمين بمراجعة خطابهم الداخلي باستمرار، لكنه لا يوجه قدرا مماثلا من النقد إلى المجتمعات الغربية نفسها. فالغرب الذي يطلب من المسلمين الاندماج فيه لا يخلو بدوره من أشكال متعددة من الإقصاء والاستبعاد، بل إن بعض هذه الممارسات تتجاوز مجرد التكفير الرمزي إلى سياسات عملية من التهميش أو الإقصاء أو حتى العنف المباشر في بعض السياقات التاريخية والمعاصرة.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: لماذا يطلب من المسلمين دائما مراجعة تراثهم ومفاهيمهم، بينما لا يطلب بالقدر نفسه من المجتمعات الغربية مراجعة إرثها الاستعماري، أو تصوراتها المسبقة عن الإسلام، أو سياساتها التي ساهمت في تغذية كثير من الصراعات المعاصرة؟
كما أن استدعاء قيم التعايش والاندماج ينبغي ألا يكون انتقائيا. فالتاريخ الإسلامي يقدم نماذج طويلة من التعايش بين المسلمين وغيرهم، سواء في الأندلس أو في كثير من الحواضر الإسلامية الكبرى، حيث عاش اليهود والمسيحيون قرونا طويلة محتفظين بخصوصياتهم الدينية والثقافية. وقد شهد التاريخ كذلك فترات من الاضطهاد والصراع في الاتجاه المقابل عندما اختلت موازين القوة وتغيرت الظروف السياسية.
إن المطلوب اليوم ليس إلغاء مباحث الإيمان والكفر من الفكر الإسلامي، ولا تحويل العقيدة إلى هوية سائلة بلا حدود، كما أنه ليس التوسع في التصنيف والتبديع والتكفير. المطلوب هو التمييز بين الجانب العلمي العقدي الذي يحدد المفاهيم ويضبطها، وبين الممارسة المتسرعة التي تحول الخلافات والاجتهادات إلى معارك وجودية داخل الأمة.
فالأمة لا تبنى على إلغاء عقيدتها، كما لا تبنى على تحويل أبنائها إلى خصوم دائمين. والوعي المتوازن يقتضي الجمع بين الحفاظ على الهوية العقدية من جهة، ومقاومة ثقافة الإقصاء والتمزيق من جهة أخرى، مع إدراك أن التحديات التي تواجه المسلمين اليوم ليست داخلية فقط، بل هي أيضا سياسية وحضارية وثقافية، وتتطلب رؤية أكثر شمولا من اختزال الأزمة كلها في مفهوم التكفير.
رابط مقال الكاتب والصحفي عبد الله مشتون:




