رأي

الأم أم الوالدة؟ نظرة تأملية حول الفروق الاصطلاحية بين “الأم” و “الولدة” في التداول القرآني.

عبد السلام البقالي باحث في الفكر الاسلامي

يُصِرّ كثير من الأبناء على مناداة آبائهم بالوالد والوالدة، في مختلف الأحوال والأماكن، ولا ينادون أمي (يما، ماما، مّا..) أو أبي (بّا، بابا …)، في حين أنه ثمة فرق بين الاصطلاحين.
أقارب في هذا المقال بين مصطلحي: “الأم” و “الوالدة” من خلال مقارنة بسيطة لبعض وظائفهما.
أولا: الاستعمال القرآني يوحي أحيانا بأن الأم أقرب إلى الروح منها إلى الجسد، والوالدة أقرب إلى الجسد منها إلى الروح، خاصة في السياقات الوظيفية.
ثانيا: “الأم” مصطلح ائتماني (بتعبير طه عبد الرحمان)، “والوالدة” مصطلح انتمائي أكثر منه ائتماني.
ثالثا: كلا اللفظين وردا في القرآن الكريم، في سياق الثناء والبر والاعتناء، لكن ليس على سبيل الترادف التام، بل من خلال استحضار خصوصية كل مصطلح الدلالية والوظيفية.
وعليه ما هي أبرز الدلالات الوظيفية والتربوية لكلا المصطلحين في السياق القرآني؟
أولا: الأم.
لفظ الأم أوسع دلالة من مجرد الولادة البيولوجية. فهو يدل على الأصل والمنشأ، المرجعية والانتماء، العاطفة والوجدان. لذلك لم يتوان القرآن الكريم في إطلاق لفظ “الأم” على غير الإنسان حالة تحقق البعد النفسي والمعنوي المرتبط بهذا المصطلح، فنجد مثلا “أم القرى” و “أم الكتاب” لأن المعنى هنا هو الحضانة والتربية بالمعنى الواسع. في السياق التربوي الأم ترمز إلى البيئة الوجدانية الأولى، إلى مصدر الأمان النفسي. لذلك فهي ترتبط بالحنان والتوجيه والتكوين الداخلي للشخصية.
ثانيا: الوالدة.
هذا اللفظ يرتبط مباشرة بعملية الولادة، وما يرتبط بها من حمل، ووضع، ورضاع، ومعاناة جسدية.
وهي وظائف خص الله بها الأم دون الأب، ففضلها بها عليه (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك)، فالولادة وما يرتبط بها من وظائف رفعت الوالدة أعلى الدرجات، وأنزلتها أعلى المنازل، لأنها الأصل البيولوجي في الوجود، ولأنها الوظيفة الأرقى والأنقى والأتقى بنص القرآن، وبعدها وظيفة الرضاعة الطبيعية: “والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة” . لم يقل “والأمهات يرضعن”، لأن المقام متعلق بالفعل البيولوجي الطبيعي، الذي هو الحمل والولادة والرضاعة.
وتأكيدا للفروق المعنوية والمادية بين المصطلحين قال الله تعالى: “ووصينا الإنسان بوالديه، حملته أمه وهنا على وهن” وقال أيضا: “ووصينا الإنسان بوالديه حسنا، حملته أمه كرها ووضعته كرها” ، الآيتان تضمنتا لفظة الوالدة ولفظة الأم؛ تأكيدا على الفرق بينهما من جهة، غير أن التداخل والتلازم يأبى إلا أن يحضر هنا، تأكيدا من جهة أخرى على التكامل بين الرعاية والتربية، بين الجسد والروح، لأنهما شيء واحد يعز على الانفكاك والتشظي، فالوالدة تحمل وتلد، والأم ترعى الحمل في بطنها، وتربي الوليد. وهو تأكيد على تداخل المصطلحين وتلازمهما؛ فوظيفة الحمل والولادة والرضاعة البيولوجية لا تتم خارج النطاق الروحي القيمي الذي هو الأمومة. لذلك من عجيب التعبير القرآني، أنه أكد هذا الاشتباك بين الأمومة والوالدية، بأن قرن كل مصطلح منهما، بوظيفة هي أقرب إلى غيره؛ قَرَن مصطلح “الوالدة” ب “الإحسان”، والإحسان أقرب إلى الأمومة كما سبق، وقرن مصطلح “الأم” ب “الحمل” والحمل أقرب إلى الوالدية كما تقرر. ما يعني أن الأصل هو التلازم. وهو دعوة ربانية إلى إتمام “الوالدة” لوظيفتها التربوية الأمومية، لا الولادة فقط، ثم التساهل أو الغش في التربية. لكن رغم كل هذا يبقى التمايز بين المصطلحين حاضرا، حتى في الاستعمال القرآني نفسه، حفظا لخصوصية كل مصطلح.
فالاستعمال القرآني يُلفت النظر إلى أن “الأم” في السياق التربوي الوجداني والعاطفي ألحّ في الحضور، أما في سياق الإنجاب وتحقيق النسب والترابط الأسري ف “الوالدة” أدعى للوجود.
الإنجاب من وظائف “الوالدة”، أما صناعة الإنسان وتربيته على القيم الفضلى فغالبا من وظائف “الأمومة”.
لذلك اختص الله تعالى لفظة “الأم” بمقام الثقة بالله والتربية الإيمانية والخوف العاطفي في قصة موسى فقال: “وأوحينا إلى أم موسى” وقال: “وأصبح فؤاد أم موسى فارغا” ، علما أن موسى لم يترب بحضن أمه، وإنما تربى داخل قصر فرعون. لكن ذكر “الأم” هنا تحقق عندما تحققت عوالقه التربوية الداخلية، التي كادت تبدي بموسى “إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها” . فهذا التفاعل الداخلي، والتدبير الإلهي من خلال الوحي إلى أم موسى، والربط على قلبها، لن يكون مرتبطا فقط بالدور الوظيفي الذي هو ولادة نبي يُعجز به الله أكبر طغاة عصره ويقضي عليه وهو فرعون، وإن كان حظ أم موسى الأكبر هو الولادة دون التربية والتأهيل العاطفي والوجداني والفكري. لكن الاصطلاح القرآني أخذ بالاعتبار العاطفي والفؤادي. نفس الأمر ينطبق على قصة عيسى عليه السلام وعلاقته بأمه، وربما بدرجة أكثر دقة ووضوحا في ترسيخ التمايز بين المصطلحين. فالقرآن الكريم ذكر لفظ “الأمومة” في علاقة عيسى بمريم أربع مرات، واكتفى بمرة واحدة فقط في ذكر مصطلح “الوالدة”، وذلك في سياق إثبات نسبه البيولوجي بأمه، ردا على قومها الذين اتهموها بالفاحشة، قال: “وبرا بوالدتي” . وبالإشارة إلى التشابك الذي ينسجه القرآن بين “الأمومة” و “الوالدية” والذي سبقت الإشارة إليه، نسجل هنا أنه قَرَن أيضا مصطلح “البر” وهو مصطلح تربوي أمومي، بمصطلح “الوالدة”، المأخوذ اسمها من الولادة، وهي عملية الإنجاب المادي. أما مفاهيم الأمومة الأربعة الأخرى، فكل معانيها واختصاصاتها روحية جُوانية، تعلقت بمقامات تربوية عالية، هي بالإحصاء: مقام الآية والملجأ “وجعلنا ابن مريم وأمه آية” ، ومقام التزكية والصّدّيقية “مّا المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة” ، ومقام العبودية ونفي الألوهية “أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا” ، ومقام التحاور في المحشر “أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله” . كل هذا فيه تأكيد على التمايز الحاصل بين مصطلح “الأم” وما يرتبط به من وظائف، ومصطلح “الوالدة” وما يرتبط به من وظائف. مع التأكيد والدعوة القرآنية إلى الاتحاد بين المصطلحين، وتحقيق التناغم والتكامل بينهما. وبحث المسألة علميا وفكريا وتدقيق النظر فيها له مقامه الخاص.
بعد هذا التقريب البسيط، والذي بينا فيه مقام “الأم” ومقام “الوالدة”، وتقرر أنهما متمايزان، غير أنهما متداخلان ومتلازمان. وزيادة في التأكيد فالأم لها تعلق داخلي، والوالدة لها تعلق خارجي، وهذا له تأثير في ميزان الترجيح العمراني والحضاري. بعد هذا التقريب يحق لنا أن نسأل: ما المطلوب في الإصلاح العمراني؟ وجود الأم أم وجود الوالدة؟ بصيغة أخرى هل نحتاج إلى الأمومة أم إلى الوالدية؟
وقبل الإجابة لابد من تقرير بسيط؛ الأم ليست دائما والدة، والعكس صحيح. فإذا قامت امرأة بدور الأمومة مع غير أبنائها وحققت معاني التربية الوالدية، فهي أم وإن لم تكن والدة، وكثير من الناس ربتهم أخواتهم أو خالاتهم أو عماتهم. أما الوالدة فإذا لم تقم بالدور التربوي المنوط بها، فقد ضَعُفَت فيها معاني الأمومة الكاملة.
في هذه الحالة بالذات: ما هو الأصلح لمجتمعاتنا اليوم؛ الأمهات أم الوالدات؟
الأصل هو اجتماع المعنيين والوظيفتين في المرأة الواحدة كما تقرر، فإذا اجتمعا فكلاهما نفع للأمة المسلمة، وازدهار لحضارتها، “تزوجوا الودود الولود” .
لكن في حالة تعذر أحدهما كما هو حال الأمة اليوم، فبأيهما نضحي؟ وعلى أيهما نقاتل استجلابا للخير ودفعا للشر؟
لا شك أن الحضارة إنما تُبنى بصناعة الإنسان، لا بمجرد الإنجاب والتكاثر، بل إن الحضارات قد تنهار غالبا لا بسبب ضعف الولادة، لكن بسبب ضعف التربية، التي هي خصيصة أُمومية، والتخلي عن باقي أدوار الأمومة ووظائفها. ووظيفة الأمهات في تاريخينا الطويل مشرقة وملهمة. وعلى رأسهم أمهات المؤمنين. وهنّ لم ينلن هذا المقام العالي بمجرد الإنجاب، بل أغلب أمهات المؤمنين لم يُنجبن، لكنهن أمهات باصطلاح القرآن “النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتكم” . لقد استحققن هذا الاسم أو هذه الصفة تكريما من الله عز وجل، وتشريفا منه. سماهن أمهات ولم يسمهن والدات، ولعل العلة هنا تكون أكثر ترسيخا للتمايز والتباين، بل لعلها تكون أكثر وضوحا في ميزان التفاضل والتقديم، حيث تتقدم وظيفة “الأمومة” على وظيفة “الولادة” بل ربما كانت الولادة وحدها وبالا على المجتمع إذا خلت من التربية الأمومية. لذلك فإن الفرق الأقوى بين الوالدة والأم هو أن الوالدة تخرج طفلا إلى العالم، أما الأم فتخرج إنسانا إلى التاريخ.
إذا ومن غير مواربة يكون الأصلح للأمة الآن هو الأمومة المقرونة بالوالدية، وليس الولادة وحدها، الخالية من التربية والتأهيل الوالدي على مختلف مناحي الحياة.
وفي الأخير لابد من فائدة، وهي أن لفظة “أمي” أجدر بأن تحمل معاني الحميمية والقرب والتعلق وطلب الأمان من لفظة “الوالدة”. ولفظ “أمي” لفظ وجداني قصير رقيق حميمي، أما لفظ “الوالدة” فلفظ وصفي عقلي أكثر منه عاطفي وجداني. بهذا الاعتبار يكون “أمي” أقرب إلى البر، لما تحقق فيه من صفات الليونة وخفض الجناح، ولما يعبر عنه من الحنان والانتماء والتعلق.
وفي الاستعمال العربي والإسلامي، عند مقام الاستغاثة والحب والدعاء والبر، يغلب استعمال أمي. ولا يكاد يُستعمل “والدتي” إلا في أسلوب أكثر تكلفا أو رسمية.
وأختم بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة يوصيه بأمه: “الزمها فإن الجنة عند رجليها” .
كتبة عبد السلام البقالي بتاريخ 21 ذو الحجة 1447/ 07 يونيو 2026.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى