من يحمي أموال الأوقاف والمحبسين ؟ بين الأمانة والذمة… وقفة تأمل في معنى الاستحقاق
ذ. عبدالعزيز رجاء :كاتب وفاعل مدني

ليست كل الأسئلة التي تُطرح في الشأن العام هدفها الاتهام، وليست كل القضايا المثارة بحثاً عن فضيحة أو تصفية حسابات. فبعض الأسئلة تفرض نفسها من باب النصيحة، ومن باب الحرص على صيانة الأمانة وحماية المال المخصص لخدمة الصالح العام.
ومن بين هذه الأسئلة ما يتعلق بحالات قد تقع هنا أو هناك، حين يستمر شخص في الاستفادة من مكافأة أو تعويض مرتبط بمهمة لم يعد يمارسها منذ سنوات طويلة. فهل يكفي أن يستمر تحويل المال إلى الحساب البنكي حتى يصبح حقاً مكتسباً؟ أم أن الأمر يحتاج قبل ذلك إلى وقفة ضمير ومراجعة للذات؟
غير أن الحديث عن هذا الموضوع يقتضي أولاً التذكير بمكانة الأوقاف والأحباس في الشريعة الإسلامية. فالأوقاف ليست مجرد أموال أو عقارات تدار وفق منطق المحاسبة والإدارة فقط، بل هي من أجلّ القربات وأعظم الصدقات الجارية التي يتقرب بها المؤمنون إلى الله تعالى، ابتغاء مرضاته ورجاء ثوابه. وهي تمثل عبر التاريخ أحد أهم روافد التكافل الاجتماعي والعلمي والديني، حيث خصصت أموالها ومنافعها لخدمة بيوت الله، ورعاية القيمين الدينيين، ودعم العلم والعلماء، ومساعدة المحتاجين، وغير ذلك من أوجه البر والإحسان.
ولذلك أولى الفقه الإسلامي عناية خاصة للوقف، ووضع من الضوابط والأحكام ما يكفل صيانته واستمراريته وتحقيق مقاصد الواقفين والمحبسين. فمال الوقف ليس مالاً عادياً، بل مال خرج من ملك أصحابه ابتغاء وجه الله، وتعلقت به حقوق المستفيدين والمصارف التي حددها الواقفون.
ومن هنا كانت حرمة مال الوقف عظيمة، وكان الاعتداء عليه أو صرفه في غير وجهه الشرعي نوعاً من الإخلال بالأمانة ومساساً بحقوق الواقفين والمستحقين معاً. ولهذا قرر الفقهاء قاعدة شهيرة تقول: “شرط الواقف كنص الشارع”، بمعنى أن إرادة المحبس أو الواقف في تحديد أوجه صرف الوقف يجب احترامها والمحافظة عليها، ما دامت لا تخالف حكماً شرعياً. فالمحبسون حين أوقفوا أموالهم لم يقصدوا أن تتحول إلى موارد مفتوحة بلا ضوابط، وإنما أرادوها أن تبقى موجهة إلى الأغراض التي حُبست من أجلها.
تخيلوا فقط حالة خطيب جمعة توقفت مهمته أو أُعفي منها أو لم يعد يزاولها لأي سبب من الأسباب، ثم استمرت مكافأة الخطابة في النزول إلى حسابه شهراً بعد شهر وسنة بعد سنة. هل يصبح هذا المال حقاً خالصاً له؟ أم أن السؤال الحقيقي يجب أن يوجه أولاً إلى الضمير قبل أن يوجه إلى الإدارة؟
قد يكون الأمر مجرد سهو إداري. وقد يكون نتيجة تأخر في تسوية وضعية معينة. وقد تكون هناك أسباب أخرى لا يعلمها إلا أصحابها. لكن هل يغير ذلك من جوهر المسألة شيئاً؟
أليس الأصل أن الأجرة مقابل العمل؟ وأن المكافأة مرتبطة بأداء المهمة؟ وأن الاستفادة مرتبطة بالقيام بالخدمة التي خُصصت من أجلها تلك الأموال؟
ثم ألا يحق للرأي العام أن يتساءل: ما مصير الأموال التي صُرفت خلال سنوات طويلة لشخص لم يعد يؤدي المهمة التي خُصصت من أجلها؟ وهل تعتبر هذه المبالغ من الحقوق المكتسبة أم من الأموال التي صُرفت دون موجب استحقاق؟
إن المال الحلال لا تقتصر حِلّيته على طريقة وصوله، بل ترتبط أساساً بمدى استحقاق صاحبه له. ولذلك أكد العلماء عبر العصور أن الأجرة تكون مقابل العمل، وأن الذمة لا تبرأ إلا إذا اجتمع الحق مع الاستحقاق.
ومن الناحية الشرعية، يبدو الأمر أكثر حساسية. فالفقهاء متفقون على أن العوض يكون في مقابل العمل أو المنفعة. أما المال الذي يُؤخذ دون أداء ما يقابله، فإنه يندرج ضمن دائرة أكل المال بالباطل، وهو ما حذر منه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾.
بل إن الفقه الإسلامي استعمل مصطلحاً شديد الدلالة هو “السُّحت”، لوصف المال الذي يُؤخذ أو يُحتفظ به دون وجه حق مشروع. وهو وصف لا يقتصر على الجانب القانوني أو الإداري، بل يرتبط بسلامة الذمة وبركة الرزق والمسؤولية أمام الله تعالى.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا لو اكتشف شخص أنه يتوصل بمبالغ مالية يعلم في قرارة نفسه أنه لم يعد يستحقها؟ هل يطمئن إلى استمرار التحويل البنكي ويعتبر الأمر رزقاً ساقه الله إليه؟ أم أن الورع يقتضي أن يسأل ويتحقق ويطلب تسوية وضعه حتى تبرأ ذمته؟
لقد كان السلف الصالح يخشون الوقوع في الشبهات قبل المحرمات، ويتوقفون عند الدرهم الواحد إذا اختلط عليهم أمره، لأن القضية لم تكن بالنسبة إليهم قضية مال فقط، بل قضية بركة وأمانة ومسؤولية أمام الله والناس.
وإذا كان الأمر يتعلق بأموال الأوقاف والمحسنين الذين أوقفوا أموالهم ابتغاء مرضاة الله وخدمة بيوته، فإن المسؤولية تصبح مضاعفة. لأن مال الوقف ليس مال إدارة ولا مال أفراد، بل أمانة شرعية محفوظة بحق الله وحق الواقفين وحق المستفيدين الذين خُصص لهم هذا الوقف.
وإذا كان الإنسان يحرص على ألا يُنقص من مستحقاته شيئاً عندما يؤدي واجبه كاملاً، أفليس من مقتضى الإنصاف أن يتوقف أيضاً عند كل مبلغ يحصل عليه دون أن يكون قد أدى ما يقابله من عمل؟
ثم ماذا عن حقوق الآخرين؟ فكل مبلغ يُصرف في غير موضعه الصحيح قد يحرم مستحقاً من حقه، أو يؤخر إصلاح مسجد، أو يقلص مورداً خُصص أصلاً لخدمة الشأن الديني.
إن الحديث هنا ليس عن أشخاص ولا عن وقائع بعينها، وإنما عن ثقافة ينبغي أن تسود في المجتمع: ثقافة محاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين، وثقافة ربط الحقوق بالواجبات، وثقافة اعتبار المال الوقفي أمانة لا تقل حرمة عن المال الخاص.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من استفاد؟ بل أيضاً: من راقب؟ ومن حاسب؟ ومن سهر على حماية أموال الأوقاف من الضياع أو سوء التدبير؟ لأن حماية المال الوقفي ليست مسؤولية إدارة بعينها، بل مسؤولية جماعية تبدأ من يقظة الضمير الفردي وتنتهي عند صرامة المراقبة وحسن التدبير.
وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من مساءلة الناس، وقد يفلت من أعين المفتشين والمراقبين، لكنه لن يفلت من سؤال الحق سبحانه يوم تُكشف السرائر: من أين اكتسب هذا المال؟ وهل كان يعلم أنه لا يستحقه؟
عندها لن تكون القضية قضية مكافأة أو تعويض، بل قضية ذمة وأمانة وحساب.
فالأموال قد تُنسى في السجلات، وقد تضيع بين الملفات والإجراءات، لكن الحقوق لا تضيع عند رب العالمين، وأموال الأوقاف تبقى أمانة في أعناق الجميع، لا تبرأ الذمم منها إلا برد الحقوق إلى أهلها، وصيانة المقاصد التي أوقف من أجلها المحسنون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وخدمة بيوت الله.




