
ظهرت “نظرية النافذة المكسورة” في علم الاجتماع والجريمة على يد الباحثين جيمس ويلسون وجورج كيلينغ، ومفادها أن ترك نافذة مكسورة دون إصلاح يرسل رسالة ضمنية مفادها أن المكان مهمل، مما يشجع على مزيد من التخريب والفوضى والجريمة. فالفوضى الصغيرة إذا لم تُعالج تتحول مع الوقت إلى فوضى كبيرة.
وعلى الرغم من أن النظرية وُلدت في سياق الأمن الحضري، فإن إسقاطاتها تمتد إلى عالم السياسة وإدارة الدول والشعوب.
ففي المجال السياسي، لا تبدأ الأزمات الكبرى عادة بانهيارات مفاجئة، بل بتصدعات صغيرة يتم التغاضي عنها: فساد محدود، ظلم لبعض الفئات، تجاوزات قانونية، خطاب كراهية، تمييز اجتماعي، أو ضعف في تطبيق العدالة. وعندما تتكرر هذه “النوافذ المكسورة” دون معالجة، تتولد لدى المواطنين قناعة بأن القواعد لم تعد ملزمة للجميع، وأن القانون لم يعد المرجع الأعلى، فتتآكل الثقة بالمؤسسات شيئًا فشيئًا.
كما أن الشعوب تراقب الرموز أكثر مما تراقب الشعارات. فعندما يرى الناس مسؤولًا يفلت من المحاسبة، أو فسادًا يمر دون عقاب، فإن الرسالة النفسية أخطر من الفعل نفسه؛ إذ يشعر المواطن أن النظام يسمح بالاستثناءات، فتزداد اللامبالاة أو التمرد أو فقدان الانتماء.
ومن جهة أخرى، يمكن توظيف النظرية إيجابيًا؛ فإصلاح “النوافذ الصغيرة” في حياة المجتمع يرسل رسالة معاكسة: احترام القانون، صيانة المرافق العامة، محاربة الفساد المبكر، حماية الحقوق، والإنصات لمطالب الناس. هذه الإجراءات البسيطة قد تبدو هامشية، لكنها تبني مناخًا عامًا من الثقة والاستقرار.
ولعل الدرس الأهم هو أن انهيار الدول لا يبدأ عادة من القمم، بل من التفاصيل التي يستهين بها الجميع. وكما أن النافذة المكسورة قد تتحول إلى حيٍّ فوضوي، فإن الظلم الصغير إذا تُرك دون إصلاح قد يتحول إلى أزمة مجتمعية أو سياسية واسعة.
إن الحكمة السياسية ليست في معالجة الانفجارات الكبرى فقط، بل في رؤية الشقوق الصغيرة قبل أن تتحول إلى صدوع يصعب ترميمها.
——-/—-/———-
#د_مصطفى_أبوسعد



