رأي

بين أحزاب الأمس وأحزاب اليوم: من التأطير السياسي إلى سباق المقاعد

ذ. عبدالعزيز رجاء فاعل مدني

قرأت تدوينة شعرية جميلة نشرها أحد الأصدقاء، استلهمها من نقاش دار بينه وبين مجموعة من أصدقائه حول واقع الحياة السياسية والحزبية بالمغرب. والتي اختصرها بكلمات شعرية بسيطة، لكنها عميقة الدلالة، حين تساءل عن جدوى وجود أكثر من ثلاثين حزبًا سياسيًا في بلد لا يبدو فيه أن هذا العدد الكبير ينعكس بالضرورة على جودة التأطير السياسي أو على مستوى الثقة في المؤسسات المنتخبة.
وقد استوقفتني تلك الأبيات التي يقول في مطلعها:
“ثلاثون حزبًا لنا يا رفيق
وجعجعة ليس فيها دقيق
ثلاثون حزبًا ثلاثون صوتًا
ولكنها كرماد بدون حريق
ورغم أن الشعر بطبيعته يميل إلى الاختزال والمبالغة الفنية أحيانًا، فإن هذه الأبيات تطرح سؤالًا سياسيًا مشروعًا يستحق التأمل والنقاش: هل نجحت الأحزاب المغربية في أداء أدوارها الدستورية والتاريخية؟ وهل ما زالت تقوم بوظيفة التأطير والتكوين السياسي للمواطنين والشباب، أم أن جزءًا منها أصبح منشغلًا أساسًا بالاستحقاقات الانتخابية وتدبير المواقع والمناصب؟
إن هذا السؤال يكتسي أهمية خاصة في سياق تتزايد فيه مظاهر العزوف السياسي، وتتراجع فيه الثقة في الفاعل الحزبي، وتتسع فيه المسافة بين الخطاب السياسي وانتظارات المواطنين. كما أنه يفرض علينا العودة إلى محطات مضيئة من تاريخ المغرب السياسي، حين كانت الأحزاب مدارس وطنية حقيقية للتأطير والتكوين وإنتاج النخب، وحين كان رجال من طينة علال الفاسي، والمهدي بن بركة، وعبد الرحيم بوعبيد، وعبد الله إبراهيم، وعبد الرحمن اليوسفي، وعلي يعتة، والمحجوب بن الصديق، وامحمد بوستة، وعبد الكريم الخطيب، ومحمد بنسعيد آيت يدر، وغيرهم، يعتبرون العمل السياسي رسالة وطنية قبل أن يكون طريقًا نحو السلطة.
ومن هذا المنطلق، لا يهدف هذا المقال إلى انتقاد الأحزاب لذاتها، بقدر ما يسعى إلى مساءلة واقعها الحالي، ومقارنته بالأدوار التي اضطلعت بها في مراحل مفصلية من تاريخ المغرب، بحثًا عن سبل إعادة الاعتبار للفعل السياسي النبيل، واستعادة الثقة في المؤسسات الوسيطة التي لا يمكن لأي ديمقراطية أن تستقيم بدونها

الحزب ليس مقعدًا برلمانيًا
خلال السنوات الأخيرة، تكررت تصريحات عدد من السياسيين التي تربط العمل الحزبي أساسًا بالوصول إلى المؤسسات المنتخبة والحصول على المقاعد. والحال أن اختزال وظيفة الحزب في هذا البعد الانتخابي فقط يمثل انحرافًا عن جوهر الفكرة الحزبية نفسها.
فالحزب السياسي لم يُنشأ أصلًا من أجل الانتخابات فقط، بل من أجل تأطير المجتمع وتنظيم المطالب الاجتماعية وتكوين الأطر وإعداد النخب السياسية القادرة على قيادة الشأن العام.
لقد نص الدستور المغربي نفسه على أن الأحزاب تساهم في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية.
غير أن الواقع يكشف أن الكثير من الأحزاب أصبحت تنشط بكثافة خلال المواسم الانتخابية فقط، بينما تغيب عن الساحة المجتمعية والثقافية والفكرية خلال باقي السنوات.
وأصبح بعض الشباب لا يعرف عن الأحزاب سوى صور الأمناء العامين ووعود الحملات الانتخابية، دون أن يجد فضاءات حقيقية للنقاش والتكوين السياسي والمواطنة الفاعلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى