
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي يتجدد الجدل حول جدوى المشاركة السياسية، ويزداد عدد الممتنعين عن التصويت بحجة أن الأحزاب كلها متشابهة، وأنه لا يوجد حزب يخلو من الأخطاء أو المصالح أو القرارات التي لا ترضي جميع فئات المجتمع.
وهذا الاعتراض مفهوم من جهة، لكنه لا ينبغي أن يقود إلى العزوف الكامل عن المشاركة؛ لأن السياسة ليست مجال البحث عن الكمال، وإنما مجال إدارة الممكن وتحقيق المصالح وتقليل المفاسد.
ففي علم الاجتماع السياسي لا توجد أنظمة أو أحزاب أو برامج كاملة، بل توجد خيارات متفاوتة في قدرتها على خدمة الناس وتحقيق الاستقرار والعدل وتكافؤ الفرص والتنمية الشاملة للمجتمع خلقا واقتصادا وتعليما….
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: “من هو الحزب الكامل؟” بل: “من هو الأقرب إلى تحقيق المصلحة العامة والأقل إضراراً بالمجتمع؟”
وهذا المعنى قريب جداً من أحد الأصول الكبرى في الفقه الإسلامي، وهو فقه الموازنات وفقه المصالح والمفاسد.
لقد قرر العلماء أن المكلف قد يجد نفسه أحياناً أمام خيارات كلها لا تخلو من النقص، فيكون الواجب هو اختيار خير الخيرين أو دفع شر الشرين. ولذلك قال العلماء: “إذا تعارضت المصالح والمفاسد روعي أعظم المصلحتين وأخف المفسدتين”.
ومن هذا المنطلق تصبح المشاركة السياسية نوعاً من الشهادة على الواقع والمساهمة في توجيهه نحو الأصلح، لا تزكية مطلقة لحزب أو شخص.
إن الناخب الواعي لا يبحث عن الملائكة في عالم السياسة، بل يبحث عن مؤشرات موضوعية تساعده على تقدير الأصلح والأقل ضرراً.
ومن أهم هذه المعايير:
———————————
أولاً: نظافة اليد والنزاهة المالية.
فالفاسد مالياً يصعب أن يكون أميناً على مصالح الناس، لأن من خان في المال العام أو الخاص سيسهل عليه التفريط في الحقوق الأخرى.
ثانياً: عفة اللسان واحترام الخصوم.
فالسياسي الذي يبني حضوره على الشتم والتخوين والتحريض غالباً ما يعكس ثقافة صراع لا ثقافة بناء. والأمم لا تنهض بالعداوات الدائمة بل بالحوار والتعاون الشريف.
ثالثاً: القرب من الناس وفهم واقعهم.
فالسياسة الحقيقية ليست خطابات موسمية، وإنما حضور دائم بين المواطنين ومعرفة بمشكلاتهم اليومية وهمومهم الحقيقية.
رابعاً: القدرة على تحقيق التوازن بين مختلف الفئات الاجتماعية.
وهنا نصل إلى معيار شديد الأهمية، لكنه لا يحظى بما يستحقه من الاهتمام في كثير من البرامج السياسية، وهو وضع الفئات الوسطى.
لقد أثبتت الدراسات الاجتماعية أن الطبقة الوسطى تمثل العمود الفقري للاستقرار المجتمعي. فهي الفئة التي تستثمر في التعليم، وتبني المشاريع، وتوفر فرص العمل، وتدفع الضرائب، وتحافظ على دورة الاقتصاد.
وهي أيضاً الفئة التي غالباً ما تتحمل أعباء إعالة الأجيال الصاعدة ورعاية الأجيال الأكبر سناً، وتسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في دعم الفئات الأقل دخلاً.
فالفقير يجد فرص العمل والخدمات في مجتمع قوي طبقته الوسطى، والغني يحافظ على استثماراته بوجود سوق نشطة وقوة شرائية مستقرة. ولذلك فإن ازدهار الطبقة الوسطى لا يخدمها وحدها، بل يخدم المجتمع كله.
ولهذا يرى كثير من علماء الاجتماع أن اتساع الطبقة الوسطى مؤشر على الصحة الاجتماعية، بينما يعد تآكلها مؤشراً على اختلال التوازن الاقتصادي والاجتماعي.
ومن منظور السياسة الشرعية فإن حفظ الاستقرار المجتمعي مقصد معتبر؛ لأن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح العامة وصيانة العمران الإنساني ومنع أسباب الفوضى والتفكك.
ولهذا فإن السياسات التي تستنزف الطبقة الوسطى أو تضعف قدرتها على التعليم والإنتاج والادخار والتملك قد تؤدي على المدى البعيد إلى اضطرابات اجتماعية واقتصادية تمس الجميع.
إن المشاركة السياسية الواعية ليست انحيازاً أعمى لحزب أو شخص، وليست كذلك انسحاباً كاملاً من المجال العام، بل هي ممارسة مسؤولة تقوم على الاجتهاد في معرفة الأصلح، واختيار الأقل ضرراً، ومراقبة المسؤولين، ومحاسبتهم، وتجديد الثقة أو سحبها وفق الأداء والنتائج.
فالمجتمعات الناضجة لا تُبنى بالمقاطعة الدائمة، كما لا تُبنى بالتعصب الحزبي، وإنما تبنى بمواطن واعٍ يدرك أن صوته أمانة، وأن السياسة مجال للمفاضلة بين الخيارات الممكنة لا البحث عن الكمال المفقود.
وإذا كان الكمال متعذراً في عالم البشر، فإن الواجب يبقى هو السعي إلى الأصلح، واختيار الأقل سوءاً، والعمل المستمر على إصلاح الواقع خطوة بعد خطوة؛ لأن ترك المجال العام لأصحاب المصالح الضيقة ليس حلاً، بل هو في كثير من الأحيان جزء من المشكلة نفسها.




