
بينما كانت الأضواء تُسلَّط على انطلاق مهرجان موازين بالرباط، وما يرافقه من تغطية إعلامية واسعة، وأرقام ضخمة أو مضخمة، وحضور فني عالمي، كان مشهد آخر يرسم “بهدوء وعن حب” حقيقي، في الجنوب الشرقي للمغرب، أيام 19 و20 و21 يونيو 2026.
هناك، لم تكن المنصات الموسيقية هي التي تستقطب الآلاف، بل كانت المهرجانات الخطابية التي أطرها عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية.
قد يختلف الناس حول الرجل وحول حزبه، وقد يتفقون أو يختلفون مع مواقفه السياسية، لكن ما لا يمكن إنكاره، هو أن تجمعاته الخطابية الأخيرة نجحت في فرض نفسها على النقاش العمومي، بل وغطّت، من حيث التفاعل الشعبي والاهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي، على حدث كان يُفترض أنه يحتكر المشهد الإعلامي خلال هذه الأيام، وهو مهرجان موازين.
الأمر في هذا المقال، لا يتعلق بمقارنة بين السياسة والفن، ولا بتقديم أحدهما على الآخر، فالفن حاجة إنسانية ومجال للإبداع والتعبير، ولا أحد يملك حق مصادرته أو التقليل من أهميته، لكن ما كشفت عنه المشاهد المتزامنة بين منصات الرباط، ومنصات حزب العدالة والتنمية بوارزازات وزاكورة وتينغير والرشيدية، هو أن في المغرب جمهورا آخر، لا يستهويه شعار ايقاعات العالم، ولا يبحث فقط عن الترفيه والفرجة، بل يبحث أيضا عن من يُصغي إليه، ويتحدث بلسانه ويعبر عن همومه اليومية.
هذا النوع من الجمهور لا يخرج بالضرورة ضد الفن الذي يصادم القيم والأخلاق، ولكنه يخرج مع السياسة عنما يشعر أن فيها الصدق ويجد فيها المضمون، ومع السياسيين الذين يشعر أنهم يشبهونه، يخرج عندما يسمع خطابا قريبا من لغته، يتناول قضاياه المعيشية، ويعكس آماله ومخاوفه وأسئلته الحارقة، لذلك لم يكن مستغربا أن تمتلئ الساحات والقاعات في مدن الجنوب الشرقي بوارزازات وزاكورة وتينغير والراشيدية، بآلاف المواطنين الذين جاءوا للاستماع أكثر مما جاءوا للمشاهدة، رغم محاولات إيجاد تناقضات بين لسان بنكيران العربي، وبين أمازيغية من جاؤوا للاستماع إليه.
مع الأسف، اعتاد جزء من النخبة على اختزال الاهتمام الشعبي في ما تصنعه الكاميرات والأضواء، لكن الواقع يثبت بين الفينة والأخرى، أن المجتمع أكثر تعقيدا من هذه الصورة، فكما يوجد جمهور للفن يأتي تلبية لذوقه، أو استجابة لاستمالة من قبل المنظمين، يوجد كذلك جمهور للفكرة، وكما يوجد من يبحث عن الأغنية وعن الرقصة وما يرافقهما، يوجد كذلك من يبحث عن الكلمة السياسية التي تمنحه أملا، أو تُفسّر له ما يجري حوله.
واللافت أن نجاح مهرجانات بنكيران الخطابية، لم يكن نتيجة إمكانيات مادية ضخمة، أو حملات ترويجية هائلة، بل كان نتيجة علاقة سياسية وإنسانية صرفة، بناها بنكيران مع فئات واسعة من المواطنين على امتداد سنوات، علاقة قائمة على لغة مباشرة، وأسلوب بسيط، وقُدرة على مخاطبة الناس دون تكلّف أو وسائط كثيرة.
لذلك، فإن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذا التزامن بين موازين، ومهرجانات بنكيران، هي أن المغاربة ليسوا كتلة واحدة من الاهتمامات والانتظارات، فكما أن هناك من يجد نفسه في منصات الغناء، بغض النظر عن مضمون وشكل ما يُعرض عليها، هناك من يجد نفسه في القاعات والفضاءات العمومية بين الجموع التي تنتظر كلمة سياسية صادقة، وإذا نجح السياسي في استقطاب هذا النوع من الجمهور، فإنه يذكّر الجميع بأن السياسة، رغم كل ما يقال عن تراجعها في المغرب، ما تزال قادرة على منافسة التفاهة والفرجة والأموال الضخمة، بل والتفوق عليها أحيانا عندما تلامس نبض الناس الحقيقي.



