رأي

“حتى يخلاق ونسميوه عبد الرزاق” الدعم المباشر بين واقعية الأرقام وحدود الوعد الإجتماعي

المانيا منير لكماني كاتب وباحث

لم تكن عبارة عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، “حتى يخلاق ونسميوه عبد الرزاق”، مجرد قفشة عابرة في نقاش سياسي حول رفع الدعم المباشر، بل إختصارا لمعادلة إقتصادية شديدة الحساسية: لا يمكن الوعد بتوسيع التحويلات الإجتماعية قبل معرفة كلفتها، ومصدر تمويلها، وأثرها على الميزانية والنمو. فالدعم المباشر ضروري حين يحمي الأسر الهشة من صدمات الأسعار، لكنه يفقد معناه إذا تحول إلى سياسة دائمة تعوض غياب الشغل والدخل المنتج.

وتزداد أهمية هذا النقاش في سياق إقتصادي يحمل مؤشرات متباينة. فالتضخم، المتوقع أن يبلغ 2,1 في المائة سنة 2026 وأن يستقر في المستوى نفسه سنة 2027، يبدو معتدلا من زاوية رقمية، لكنه يظل ثقيلا إجتماعيا، لأن الأسر الفقيرة تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الغذاء والنقل والطاقة. كما أن التضخم الأساسي مرشح للارتفاع من 0,2 في المائة سنة 2026 إلى 2,9 في المائة سنة 2027، ما يعني أن الضغط السعري قد ينتقل من المواد المتقلبة إلى بنية الأسعار. لذلك، فإن حماية القدرة الشرائية لا تختزل في توزيع الدعم، بل تمر عبر تقوية الإنتاج المحلي، وتضييق هوامش المضاربة، وتحسين شبكات التوزيع.

ويعكس الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي في حدود 2,25 في المائة هذا التوازن الدقيق. فرفع الفائدة قد يحد من التضخم لكنه يضغط على الإستثمار، وخفضها قد يدعم التمويل لكنه يرفع الطلب والأسعار. غير أن السياسة النقدية، مهما كانت متوازنة، لا تستطيع وحدها خلق فرص الشغل أو إصلاح إختلالات الإنتاج. هنا يصبح الدعم الإجتماعي جزءا من سياسة أوسع، لا بديلا عنها، قوامها توجيه التمويل نحو المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتبسيط الاستثمار، وربط التكوين بحاجيات السوق.

وتكشف أرقام النمو عمق الهشاشة البنيوية. فالإقتصاد الوطني مرشح للنمو بـ5,2 في المائة سنة 2026، بعد 4,9 في المائة سنة 2025، قبل أن يتراجع إلى 3,1 في المائة سنة 2027. هذا التحسن يرتبط أساسا بالفلاحة، إذ يتوقع إرتفاع القيمة المضافة الفلاحية بـ16 في المائة بفضل محصول حبوب يقدر بـ90 مليون قنطار، قبل تراجعها بـ7,6 في المائة مع العودة إلى موسم متوسط. وقد نبه الجواهري إلى أن الإنتقال من 90 إلى 50 مليون قنطار قد يفقد الإقتصاد نقطتين من النمو. لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لا يكمن في إنتظار المطر، بل في فلاحة أقل إستنزافا للماء، أوسع إعتمادا على السقي المقتصد والتحلية، وأكثر إرتباطا بالصناعات الغذائية ذات القيمة المضافة.

أما البطالة، البالغة 10,8 في المائة في الفصل الأول من 2026، و13,5 في المائة في المدن مقابل 6,1 في المائة في القرى، فتؤكد أن النمو لا يتحول تلقائيا إلى تشغيل. لذلك لا يكفي الإحتفاء بنسبة نمو مرتفعة إذا ظلت قطاعاتها محدودة الأثر الإجتماعي. المطلوب أن يصبح القطاع الخاص شريكا فعليا في خلق الشغل عبر بيئة أعمال أقل بيروقراطية، وتمويل أيسر، وتحفيزات موجهة للقطاعات كثيفة التشغيل.

وتضغط التبعية الطاقية بدورها على هذا التوازن. ففاتورة الطاقة مرشحة للإرتفاع بـ26 في المائة إلى 135 مليار درهم سنة 2026، قبل تراجعها إلى 114,4 مليار درهم سنة 2027، فيما ينتظر أن يتسع عجز الحساب الجاري من 2,4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي إلى 4 في المائة. هنا يصبح الإنتقال الطاقي سياسة إجتماعية أيضا، لأنه يقلص الإستيراد، ويحمي الأسعار، ويخفف الحاجة إلى دعم ظرفي متكرر.

ورغم ذلك، لا تخلو الصورة من روافع قوة؛ فمداخيل السياحة قد ترتفع من 138,6 إلى 161,1 مليار درهم، والتحويلات من 122 إلى نحو 130 مليار درهم، فيما قد تبلغ صادرات السيارات 190,8 مليار درهم في أفق 2027. غير أن أهمية هذه الأرقام لا تقاس بحجمها فقط، بل بقدرة الاقتصاد على تحويلها إلى قاعدة إنتاج محلية أعمق، وإلى قيمة مضافة أكثر إستقرارا. وضمن هذا المنطق نفسه يبرز مشروع القانون رقم 42.25 المتعلق بالأصول المشفرة، لا بوصفه تفصيلا تقنيا معزولا، بل كجزء من حاجة المغرب إلى تحديث بنيته المالية. فهو لا يمنح هذه الأصول صفة العملة القانونية ولا يجعلها وسيلة أداء، لكنه يسعى إلى إخراجها من منطقة الظل عبر التأطير والمراقبة، بما يسمح بتتبع منصات التداول ومقدمي الخدمات، وحماية الزبناء، ومحاربة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومنع التلاعب بالسوق. فكما لا يكفي ضخ الدعم دون إنتاج، لا يكفي أيضا ترك الابتكار المالي خارج القانون؛ إذ إن الإقتصاد القادر على تمويل طموحه الإجتماعي هو نفسه الإقتصاد الذي يعرف كيف يفتح المجال للتجديد، دون أن يفرط في الإستقرار والثقة.

لا يبدو الدعم المباشر مشكلة في حد ذاته، بقدر ما تصبح إشكاليته في تحوله من أداة حماية ظرفية إلى بديل دائم عن النمو والتشغيل. فالدولة الإجتماعية لا تبنى على تحويلات مالية مفتوحة، بل على إقتصاد قادر على تمويلها دون إنهاك الميزانية، وعلى سياسات تستهدف الفئات المستحقة دون أن تبدد الموارد في دعم غير عادل. ومن هنا فإن إصلاح صندوق المقاصة، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتقوية الشغل، وتحديث التشريعات المالية، ليست ملفات منفصلة عن سؤال الدعم، بل هي شروطه العميقة. فحين تخلق الثروة، ويعرف مصدر التمويل، وتتضح أولويات الحكومة، يصبح الحديث عن الزيادة ممكنا ومسؤولا؛ أما قبل ذلك، فإن الوعد يظل سابقا لأوانه، تماما كما تختصر العبارة الدارجة: “حتى يخلاق ونسميوه عبد الرزاق”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى