رأي

إلغاء الساعة… أم دقّ جرس الحملة الانتخابية؟

عبد العزيز رجاء فاعل مدني

تتأرجح السياسة الحكومية في المغرب، كما في العديد من الدول، بين ضرورة الاستجابة للمطالب الشعبية الملحة، وبين إكراهات الواقع الاقتصادي والاجتماعي المعقد. إلا أن ما يثير الجدل في المشهد المغربي هو الانتقائية الواضحة في ممارسة ما يمكن تسميته بـ “الجرأة الحكومية”. فبينما تتخذ الحكومة قرارات حاسمة في ملفات قد تبدو هامشية أو تهم شريحة محدودة من المواطنين، تتوارى هذه الجرأة أمام تحديات مصيرية تمس صميم الحياة اليومية للمغاربة، وتمرر قوانين تدعم فئات معينة “حسي مسي”، مما يطرح تساؤلات عميقة حول أولويات العمل الحكومي وشفافيته
إلغاء الساعة:جرأة متأخرة
يُعد قرار إلغاء الساعة الإضافية والعودة إلى توقيت غرينيتش، الذي اتخذته الحكومة في “الدقيقة التسعين” من ولايتها، مثالاً صارخاً على هذه الانتقائية. فبعد سنوات من التجاهل لمطالب شعبية متكررة، حضرت الجرأة السياسية لاتخاذ هذا الإجراء، الذي وإن كان يمثل استجابة لمطلب شعبي، إلا أنه لا يمحو أثر سنوات من الغلاء الفاحش وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين . هذا القرار، الذي وصفه البعض بـ “الرسالة الانتخابية المتأخرة”، يبرز كيف يمكن للجرأة أن تظهر في ملفات لا تمس جوهر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بينما تظل غائبة عن قضايا أكثر إلحاحاً.
تضارب المصالح واحتكار السوق: غياب الجرأة في مواجهة لوبيات المحروقات
تتجلى أبرز مظاهر غياب الجرأة الحكومية في ملفات تضارب المصالح واحتكار السوق، خاصة في قطاع المحروقات، فقد تصاعد الاحتقان الشعبي والنخبوي بسبب هيمنة فاعلين اقتصاديين مرتبطين بالقرار الحكومي على هذا القطاع الحيوي . وعلى الرغم من الدعوات المتكررة لتسقيف أسعار المحروقات واسترجاع أصول شركة “لاسامير” لتكرير البترول، التي كانت ستساهم في تعزيز الأمن الطاقي للبلاد، إلا أن الحكومة لم تبدِ الجرأة الكافية للاصطدام بمراكز النفوذ. بل على العكس، صوتت الأغلبية بمجلس المستشارين ضد مقترحي قانون يهدفان إلى تسقيف الأسعار وتفويت أصول “لاسامير” للدولة، مما عزز الانطباع بأن الحكومة تفضل الانتصار لمصالح ضيقة على حساب المصلحة العامة.
ملف الأدوية: شبهات تسريب المعلومات وتضارب المصالح
تتفاقم أزمة الثقة في العمل الحكومي مع ظهور شبهات تضارب المصالح في قطاع الأدوية. فقد أثيرت اتهامات بوجود تسريب لمعلومات داخلية حول استيراد الأدوية، مما أتاح لمقربين من الحكومة، ومنهم وزير، الاستفادة من هذه المعلومات لإنشاء شركات أدوية وحصد صفقات بالملايير. هذه القضية، التي أشعلت جدلاً برلمانياً وإعلامياً واسعاً، كشفت عن وجود “زواج المال والسلطة”، حيث لم تنفِ وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بشكل مباشر احتمال وجود استفادة لشركة يملكها وزير، مفضلةً التركيز على الإجراءات القانونية والشفافية في عملية الشراء، دون التطرق لهوية الشركات المستفيدة. هذا الرد اعتبره العديد من المتابعين محاولة للالتفاف على صلب السؤال حول شبهة تضارب المصالح .
صناديق التقاعد والدعم الاجتماعي: الجرأة الغائبة أمام معاناة المواطنين
في المقابل، تغيب الجرأة السياسية عن ملفات حيوية تمس شريحة واسعة من المواطنين، مثل أزمة صناديق التقاعد، ففي الوقت الذي تعاني فيه بعض هذه الصناديق من شبح الإفلاس وتراجع النسبة الديمغرافية للمساهمين، تكتفي الحكومة بوعود وتسويفات دون اتخاذ قرارات جريئة تضمن استدامة هذه الصناديق وتحمي حقوق المتقاعدين الدي يعيش أغلبهم تحت عتبة الفقر. فهل تطال الجرأة الأخنوشية لتحسين الوضعية المادية والمعنوية بتطبيق زيادة فورية في معاشاتهم المجمدة منذ أكثر من ربع قرن بالنسبة لبعض الصناديق.

كما يبرز غياب الجرأة في ملف الدعم الاجتماعي، حيث يتحكم “مؤشر ملعون” في حرمان آلاف المواطنين من الدعم، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع . ورغم أهمية ورش الحماية الاجتماعية، إلا أن طريقة تنزيله كشفت عن “تشققات” بنيوية في الثقة، حيث يشتكي المواطنون من إقصاء مستحقين بناءً على مؤشرات استهداف غير منصفة أو غير دقيقة . وفي سياق متصل، تم إسقاط مبادرة تشريعية لتحسين حقوق فئة من أرامل المتقاعدين في مجلس المستشارين، مما يعكس غياب الجرأة في دعم الفئات الهشة.
خاتمة: الجرأة الحقيقية في مواجهة التحديات المصيرية
إن الانتقائية في ممارسة الجرأة الحكومية لا تزيد إلا من تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات. فبينما تتخذ الحكومة قرارات جريئة في ملفات هامشية، تتوارى هذه الجرأة أمام تحديات مصيرية كبرى تتعلق بالقدرة الشرائية، وتضارب المصالح، ودعم الفراقشية في مختلف القطاعات، وأزمة صناديق التقاعد، والدعم الاجتماعي. إن الجرأة الحقيقية لا تكمن في تغيير عقارب الساعة، بل في مواجهة العقبات الحقيقية التي تثقل كاهل الأسر المغربية، وفتح ملفات الصحة والتعليم والبطالة ومحاربة اقتصاد الريع بإرادة سياسية حقيقية وشفافية مطلقة. فذاكرة الشعوب لا تُشترى بالتوقيت، بل تُبنى على أساس العدل والإنصاف والاستجابة الصادقة لتطلعاتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى