رأي

العدل والإحسان تنتقد “العدالة والتنمية” لكنها تستعد لمصيره!

(بقلم: محمد زاوي)

في لقاء حديث له، قال الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، محمد عبادي، إن الجماعة كانت قد نبهت حزب العدالة والتنمية إلى خطأ المشاركة السياسية، كذا إلى مصيرها قبل أن يحصل. وزاد ذات المتحدث أن هذه التجربة أثبتت فشل الإصلاح من داخل البنية القائمة. ولم يكن هذا التصريح ليمر دون ردٍّ من قِبل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، الذي وصف الجماعة بالغياب السياسي، نافيا فشل التجربة السياسية لحزبه.

هذا سجال سياسي، ونقاش إيديولوجي، مؤكَّدٌ أن كل هيئة من الهيئتين سنخوضه بطريقتها وبما يخدم خطابها الإيديولوجي وموقفها السياسي وموقعها في البنية السياسية-الاجتماعية القائمة. لكننا نستثمره في هذه المقالة لمساءلة جماعة العدل والإحسان عن أي نموذج تسعى إليه غير النموذج الذي اختاره أو اضطر إليه حزب العدالة والتنمية؟ هل تستطيع بعث نموذج جديد في ظل تراجع قدراتها الاستقطابية، وفي ظل التراجع الذي تعرفه تنظيمات الإسلام السياسي إقليميا؟ وهل تستطيع التأسيس لنموذج مغربي في المعارضة السياسية وبأي أفق سياسي؟

في جماعة العدل والإحسان، طرف -أو فئة أو تيار- يرى حقيقة الجماعة في مستقبلها، ويرى هذا المستقبل في إعادة إنتاج تجربة العدالة والتنمية في شروط سياسية مختلفة.. والسؤال هنا هو: كيف يرى هذا الطرف تصريحات عبادي الأخيرة بخصوص العدالة والتنمية؟ لن تخرج رؤيته عن أحد أمرين: إما سيراها تصريحات شاردة تعبر عن موقف محافظي الجماعة الذي يعرقل مسارها السياسي في نظر كثير من أبناء الجماعة أنفسهم، وإما تصريحات الغرض منها ممارسة نوع من التدافع مع العدالة والتنمية لأغراض سياسية لم تظهر بعد!

كل هذا وارد، لكنها تصريحات ترجع -في ظاهرها- الجماعة إلى الوراء أكثر مما تتقدم بها إلى الأمام، إلا إذا كانت تريد بذلك مخاطبة جهةٍ ما في السلطة. فأية رسالة تريد الجماعة توجيهها في سياق انتخابي؟ فلنخمّن: لا تحالف مع “البيجيدي” في المستقبل، لا دعم في الانتخابات المقبلة، لا مشاركة إلا بتغيير شروطها. وكأن الجماعة بهذه الرسائل تدخر رهاناتها للمستقبل، وتُعلِم بذلك حتى لا تختلط رهاناتها برهانات أخرى.

هذا متفهم، لكن وجب تنبيه الجماعة إلى مسألتين أساسيتين، تفهمهما دائرتُها السياسية أكثر مما تفهمهما هياكل تنظيمية أخرى:

-المسألة الأولى: الانتقال الديمقراطي بناء، كل يقدّم فيه حسب شرطه السياسي الداخلي والخارجي، الثقافي والسياسي.. كانت تجربة “اليسار” قبل العدالة والتنمية، وقد قدمت ما قدمت سياسيا ودستوريا ومؤسساتيا وفكريا. وجاءت بعدها تجربة إسلاميي “العدالة والتنمية” و”التوحيد والإصلاح”، فساهمت في تطوير الرصيد الديمقراطي في شروط ما بعد تراجع اليسار واندلاع احتجاجات 2011. بعدها، تحول “البيجيدي” إلى عنصر من عناصر التوازن السياسي-الاجتماعي في انتظار تجدد الفعل السياسي ومبادرته. السؤال المطروح على جماعة العدل والإحسان في هذا السياق: أي موقع تشغله في هذا الواقع السياسي الجديد؟ متى تتوقع مشاركتها وكيف؟ هل تتحقق هذه المشاركة دون أن تنقسم الجماعة على نفسها إلى طرفين متناقضين كما هي تجارب اليسار المعروفة؟! يجب أن يرهقها هذا السؤال أكثر مما ترهقها تجربة العدالة والتنمية، والأمر كذلك وإن ألقت بتناقضاتها إلى الخارج.

-المسألة الثانية: العمل السياسي في المغرب وَظيفٌ مهما ادعى صاحبه الاستقلالية. كذلك كان، وكذلك ما زال، بل تعزز في ظل تراجع الاستراتيجية المجتمعية لفائدة استراتيجية الدولة.. هذا منحى واضح في الممارسة السياسية اليوم، فهل تشكل فيه جماعة العدل والإحسان استثناء؟ والجواب: عندما كانت الجماعة تدعي مناقضة ما تسميه “المخزن”، لم تكن في حقيقتها تنتج غير خطاب يؤهلها لخدمته من جهات عديدة. تشاركه الأساس الديني وتدعو إليه، تُخرج جزءا كبيرا من الإسلاميين من دائرة الصراع السياسي داخل المؤسسات، وتحافظ على بنك احتياط سياسي للمستقبل وفي الوقت المحدّد لاستثماره والاستفادة منه، وتساهم في التوازنات والتدافعات الإيديولوجية القائمة لأغراض سياسية عامة. ألم تكن الجماعة انطلاقا من هذا التحليل جزءا من بنية لا يفتر لسانها عن ذكرها بالنقد والدعوة إلى التجاوز؟!

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بين المشاركة والمقاطعة… هل أخطأ الكاتب في تشخيص معضلة الإسلام السياسي بالمغرب؟
    أعاد السجال الذي دار بين الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، محمد عبادي، والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد مع كل محطة سياسية: هل كانت المشاركة السياسية خياراً صائباً، أم أن المقاطعة كانت أكثر واقعية؟
    غير أن القراءة التي قدمها صاحب المقال بدت، في نظر كثيرين، غير مكتملة، لأنها ركزت على نتائج تجربة حزب العدالة والتنمية، وأغفلت طبيعة النظام السياسي المغربي وحدود السلطة التنفيذية.
    فالحديث عن “فشل” حزب في تنزيل برنامجه الانتخابي يفترض أولاً أن الحكومة تمتلك كامل أدوات القرار، بينما الواقع السياسي المغربي أكثر تعقيداً. فالحكومة تشتغل داخل منظومة مؤسساتية تتوزع فيها مراكز القرار، وتخضع لاعتبارات دستورية وسياسية واستراتيجية لا تنفرد الحكومة بصياغتها أو التحكم فيها. لذلك فإن تحميل حزب واحد مسؤولية حصيلة عشر سنوات من التدبير دون استحضار هذه المحددات يبقى قراءة ناقصة.
    ومن هذا المنطلق، فإن المقارنة بين تجربة العدالة والتنمية وموقف جماعة العدل والإحسان تحتاج إلى قدر أكبر من الدقة. فإذا كان الحزب قد اختار المشاركة من داخل المؤسسات، فإن الجماعة اختارت، منذ تأسيسها، مساراً مختلفاً يقوم على عدم المشاركة وفق الشروط السياسية القائمة. ويرى أنصار هذا التوجه أن السبب لا يرتبط برفض العمل السياسي في حد ذاته، وإنما بعدم الرغبة في تحمل مسؤولية تنفيذ سياسات لا تكون الحكومة صاحبة القرار الكامل فيها.
    وبناء على هذه القراءة، يعتبر بعض المتابعين أن الجماعة لا تريد أن تتحول إلى واجهة سياسية تتحمل كلفة قرارات لا تملك سلطة تقريرها، أو أن تكون، بحسب هذا الطرح، أداة لتنفيذ سياسات تحددها مراكز قرار خارج الحكومة المنتخبة. وهذا تفسير متداول في النقاش السياسي، وإن كانت الجماعة نفسها هي الجهة المخولة بتحديد دوافع موقفها بصورة رسمية.
    ذلك، فإن سؤال الكاتب: “ما البديل الذي تقترحه جماعة العدل والإحسان؟” يبقى سؤالاً مشروعاً، لكنه لا يغني عن سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تمتلك أي حكومة في المغرب، مهما كان لونها السياسي، هامشاً كافياً لتطبيق برنامجها الانتخابي كاملاً؟فالجواب عن هذا السؤال هو الذي يسمح بتقييم تجربة العدالة والتنمية بإنصاف، كما يسمح بفهم أسباب استمرار جماعة العدل والإحسان في تبني خيارها السياسي. أما اختزال النقاش في نجاح هذا الطرف أو فشل ذاك، دون مساءلة طبيعة توزيع السلطة وآليات صناعة القرار، فإنه يحجب جانباً أساسياً من الحقيقة السياسية في المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى