
[1]من سنن الله في خلقه، ومن حقائق العمران البشري، أن الناس لا ينظرون إلى الوقائع والأحداث والزوايا نفسها بالمنظار ذاته، ولا يملكون المعطيات والخبرات والتقديرات نفسها. ولذلك كان الاختلاف في الاجتهاد والفهم والتقدير أمرًا طبيعيًا، بل قد يكون في كثير من الأحيان مصدرَ ثراءٍ وتكامل، وليس بالضرورة علامةَ خلل أو انحراف.
[2]إن المشكلة ليست في وجود الاختلاف، وإنما في طريقة التعامل معه؛ فبينما ينظر العقل الراشد إلى الاختلاف بوصفه فرصة لتوسيع دائرة الفهم وإدراك جوانب متعددة من الحقيقة، يتعامل معه العقل الأحادي بوصفه تهديدًا يجب إلغاؤه أو إقصاؤه. وهنا ينتقل الإنسان من دائرة “طلب الحق” إلى دائرة “احتكار الحق”.
[3]لقد قرر القرآن الكريم حقيقة التنوع والاختلاف بوصفها سنة كونية، فقال تعالى: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾ [هود: 118]. ولم يكن المقصود من هذا الاختلاف أن يتحول إلى خصومة وصراع، وإنما أن يكون مجالًا للتعارف والتدافع الإيجابي والتكامل في الرؤى والخبرات.
[4]ومن يتأمل سيرة النبي ﷺ يجد أن مساحة الاجتهاد كانت أوسع مما يتصور كثير من الناس اليوم. ففي حادثة بني قريظة، حين قال النبي ﷺ: “لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة”، فهم بعض الصحابة الأمر على ظاهره، وأخروا الصلاة حتى وصلوا، بينما فهم آخرون أن المقصود هو الحث على الإسراع، فصلوا في الطريق، فلم يعنف النبي ﷺ أحدًا من الفريقين. وهذه الحادثة تؤسس لقاعدة عظيمة مفادها أن اختلاف الفهم والاجتهاد في المسائل الظنية لا يوجب التبديع ولا التخوين، بل قد يكون كل مجتهد مأجورًا بحسب قصده وبذله.
[5]وقد قرر علماء الأصول قاعدة جليلة تقول: “لا إنكار في مسائل الاجتهاد”، وهي قاعدة لا تعني أن كل الآراء صحيحة على الإطلاق، ولكنها تعني أن المسائل التي تحتمل أكثر من وجه معتبر لا يجوز أن تتحول إلى ساحة للاتهام والتشنيع وإلغاء الآخر.
[6]وكان السلف الصالح أعمق الناس فهمًا لهذا المعنى. فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”، وهي عبارة تختصر قمة التواضع العلمي والوعي الإنساني. وكان الإمام مالك رحمه الله يقول: “كل يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر”، مشيرًا إلى قبر النبي ﷺ، تأكيدًا على أن العصمة ليست لأحد من البشر بعد رسول الله ﷺ.
[7]ولذلك لم يكن اختلاف الأئمة الأربعة سببًا للفرقة، بل كان مصدرًا لثراء الفقه الإسلامي واتساعه وقدرته على استيعاب أحوال الناس المختلفة. ولو شاء الله أن يجمع العلماء على رأي واحد في كل جزئية لفعل، ولكنه سبحانه جعل اختلاف التنوع والاجتهاد رحمةً وسعةً للأمة.
[8]ومن القواعد الأصولية والمقاصدية المهمة أيضًا أن “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”، وأن “الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص”. وهذا يعني أن اختلاف العلماء والمفكرين والمتخصصين في تقدير الوقائع والأحداث قد يكون ناشئًا عن اختلاف المعطيات المتاحة، أو اختلاف تقدير المصالح والمفاسد، أو اختلاف السياقات التي ينظرون من خلالها إلى القضية.
[9]وفي باب السياسة الشرعية والمصالح العامة، أكد العلماء أن مساحة الاجتهاد أوسع؛ لأن الأحكام فيها تقوم غالبًا على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وهي أمور نسبية تقديرية تختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف. وقد قرر الإمام ابن القيم رحمه الله أن الشريعة كلها قائمة على “العدل والرحمة والمصلحة والحكمة”، وأن كل اجتهاد يحقق هذه المقاصد فهو أقرب إلى روح الشريعة.
[10]وفي عصرنا الحديث، أكد عدد من العلماء والمفكرين المعاصرين هذه المعاني. “الرأي قد يكون صوابًا اليوم وخطأ غدًا بحسب تغير المعطيات”،
وكان عبد الوهاب المسيري يحذر من “الاختزال الفكري” الذي يجعل الإنسان يرى العالم من زاوية واحدة، بينما دعا طه جابر العلواني إلى فقه الاختلاف وفقه الائتلاف بوصفهما شرطًا من شروط نهوض الأمة.
[11]إن الإنسان الراشد لا يخاف من تعدد الآراء، لأنه يدرك أن الحقيقة الإنسانية في كثير من القضايا المركبة لا تُدرك من نافذة واحدة، وأن كل اجتهاد قد يضيء جانبًا من الصورة. ولذلك فإن الاختلاف الواعي قد يكون تكاملًا، وسدًا لثغرات لا يراها فرد واحد أو مدرسة واحدة.
[12]أما الخطر الحقيقي، فليس في الاختلاف، وإنما في ثلاثة أمور:
* ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
* تخطئة الآخرين في كل اجتهاداتهم.
* تحويل الرأي إلى هوية، والاجتهاد إلى معركة وجود.
إن من علامات الرشد الفكري والنضج النفسي والفقه المقاصدي أن يقول الإنسان: “قد أختلف معك، وقد أرى أن اجتهادك غير صائب، لكنني أؤمن بحقك في الاجتهاد، وأدرك أنني قد أكون غدًا بحاجة إلى زاوية لم أرها اليوم.”
فالحق المطلق لله تعالى وحده، والعصمة لرسوله ﷺ وحده، أما نحن البشر فنجتهد، ونصيب ونخطئ، ونتكامل ولا نتقاتل، ونتواضع للحقيقة أكثر مما نتعصب للآراء. وهذه هي أخلاق العلماء، وفقه الراشدين، وحكمة الأمم الحية.
#د_مصطفى_أبوسعد




