رأي

التفكير المقاصدي والتفكير الوسائلي .

بقلم محمد كندولة

تعد ثنائية التفكير المقاصدي و التفكير الوسائلي من أهم الإشكاليات المعرفية والمنهجية في فلسفة العلوم، وعلم الاجتماع، والإدارة الاستراتيجية، وحتى في أصول الفقه.
فالتفكير المقاصدي يركز على الغاية أو الهدف النهائي إجابةعلى سؤال :لماذا نفعل ذلك؟ ما هي القيمة أو النتيجة المرجوة؟.
أما التفكير الوسائلي فيركز على الآلية أو الأداة أي أننا نجيب على سؤال :كيف نفعل ذلك؟ و ما هي الخطوات والموارد والوسائل المتاحة؟.ولكي لا تتحول هذه الثنائية إلى فوضى معرفية أو عجز تنفيذي، يجب أن تخضع لـلشرطية العلمية و المنهجية مع ضبط العلاقة بينهما. فماذا نعني بالشرطية العلمية؟ نقول إجابة على السؤال : أن الشرطية العلمية الضابطة لثنائية التفكير المقاصدي و التفكير الوسائلي هو شرط التكامل الوظيفي تحت طاعة العقلانية السببية، وهذا يعني أن المقصد يوجه الوسيلة، والوسيلة تُخضع المقصد لاختبار الواقع، ولا يمكن فصلهما علمياً إلا في حالة التحليل المؤقت لأغراض الدراسة فقط. ويتفرع عن هذا الشرط العلمي مبادئ منهجية اخرى لا تقل أهمية عما سبق ،ومنها مبدأ التبعية المعرفية والقاعدة العلمية الطبيعة الجوهرية للمقصد هي التي تحدد معايير اختيار الوسيلة، وليس العكس. زد على ذلك مبدأ التطبيق فلا يتم اختيار الوسائل بناءً على ما هو متاح فحسب، بل بناءً على ما هو مطلوب لتحقيق المقصد ،إذا كانت الوسيلة المتاحة لا تخدم المقصد علمياً، يجب ابتكار وسيلة جديدة أو تعديل المقصد، ولا يجوز تضليل الذات بتغيير المقصد لمجرد ملائمة الوسيلة. وفي هذا السياق يظهر مبدأ الفعالية السببية أو العقلانية الوسائلية ،فالقاعدة العلمية تؤكد على وجوب خضوع الوسيلة لاختبار العلاقة السببية أي أن هناك دليلاً تجريبياً، أو منطقياً، أو إحصائياً يثبت أن هذه الوسيلة ستؤدي حتماً أو باحتمالية عالية جداً إلى تحقيق المقصد.
فعلى مستوى التطبيق يجب رفض التفكير السحري أو طوباوية التمني في التفكير الوسائلي ، فالوسيلة يجب أن تكون قابلة للقياس، والتكرار، والتقييم بناءً على مدى تقاربها من تحقيق المقصد، أما المبدأ الثالث فهو مبدأ التناسب القيمي فالغاية لا تبرر الوسيلة مطلقاً،وعليه فالمنهج العلمي والأخلاقي يؤكد على أن الوسيلة ليست مجرد أداة محايدة، بل هي غاية مصغرة ، وأما إذا كانت الوسيلة تتناقض جوهرياً مع المقصد، فإنها ستدمره من الداخل. إذن وتطبيقا يجب رفض مقولة “الغاية تبرر الوسيلة” بشكلها المطلق ، لأنه يجب علميا فهم أن الوسيلة يجب أن تحمل في طياتها “بذرة” المقصد. ومثال ذلك ولتوضيح الامر أنه لا يمكن تحقيق مقصد “السلام” عبر وسيلة “الإبادة الجماعية”، لأن الوسيلة تنسف نسيج المقصد ذاته. ويبقى مبدأ الديناميكية والتغذية الراجعة يؤكدان ثبات المقصد ومرونة الوسيلة فالمقصد يمثل “الثابت” في المعادلة العلمية، بينما الوسيلة تمثل “المتغير” فإذا فشلت الوسيلة في تحقيق المقصد بناءً على بيانات وملاحظات علمية، فإن الشرط العلمي يوجب تغيير الوسيلة فوراً، وليس التخلي عن المقصد. هذا يتطلب نظام “تغذية راجعة” مستمر لتقييم فعالية الوسائل. ويمكن أن نتساءل في سياق هذا الحديث عن الأمراض المنهجية عند وقوع اختلالات في الشرطية العلمية فماذا ينتج عن ذلك؟ فجوابا نقول أنه عندما يختل الشرط العلمي الذي يجمع بين التفكيرين، نصاب بأحد مرضين منهجيين خطيرين:
أولهما :الطوباوية والعجز التنفيذي من جراء انفصال المقصد عن الوسيلة، بحيث يحدث عندما يهيمن التفكير المقاصدي دون تفكير وسائلي علمي، تكون النتيجة أننا عندنا أهدافا نبيلة ولكن غير قابلة للتحقيق، فتصير كأحلام يقظة، وخططا استراتيجية تظل حبراً على ورق بسبب غياب دراسة الجدوى . ثانيهما البيروقراطية العمياء واغتراب الوسيلة بانفصال الوسيلة عن المقصد بحيث يحدث عندما يهيمن التفكير الوسائلي ويُفصل عن المقصد الأصلي وهو ما حذر منه علماء اجتماعيون كثيرون وعلى رأسهم الفيلسوف ماكس فيبر.
فنحصل على وسيلة أصبحت هي الغاية في حد ذاتها. بحيث نرى مثلا الموظفين أو الباحثين ينفذون الإجراءات والبروتوكولات بدقة متناهية، لكنهم يفقدون الرؤية الكلية للهدف الأصلي. وكمثال على ذلك : طبيب يركز على ملء الاستمارات الطبية بشكل مثالي كوسيلة ناسيا علاج المريض كمقصد.
وكتطبيقات على هذه الثنائية وفي مجالات مختلفة، نذكر في مجال إستعمال الذكاء الاصطناعي ، فالتفكير المقاصدي هو برمجة الأهداف والقيم البشرية، والتفكير الوسائلي هو خوارزميات التحسين فالخطر العلمي يكمن في أن الخوارزمية كوسيلة قد تدمر البشرية لتحقيق هدف مقصدي إذا لم تُضبط بشروط علمية صارمة.
وفي أصول الفقه الإسلامي: تُعرف قاعدة :للوسائل أحكام المقاصد. فالمقصد هو حفظ الدين أو النفس وهذا تفكير مقاصدي ، والوسيلة هي الأدوات المشروعة لتحقيق ذلك وهذا تفكير وسائلي. فالشرط العلمي هنا هو أن الوسيلة لا تعمل إلا إذا كانت موصولة بالمقصد ومحققة له.
وفي مجال الإدارة الحديثة فالأهداف الخدمية تمثل التفكير المقاصدي إجابة على سؤال :إلى أين نذهب؟، والـمفتاح العملي يمثل التفكير الوسائلي كإجابة على سؤال أساسي لقياس النجاحات الادارية :كيف نقيس الوصول؟. النجاح العلمي للشركة يتطلب مواءمة مستمرة بين الاثنين.
وأخيرا نؤكد على الشرط العلمي لثنائية التفكير المقاصدي والوسائلي هو التكامل الخاضع للمنهجية، فالمقصد يوفر البوصلة أي الاتجاه والقيمة، والوسيلة توفر المحرك فهي الطاقة والآلية. إذن العقلانية العلمية تقتضي ألا نثق ببوصلة لا تمتلك محركاً، ولا نطلق محركاً عمياء بدون بوصلة. فلفهم ثنائية التفكير المقاصدي الغائي والتفكير الوسائلي الآلي والأداتي من منظور علمي ومعرفي، يجب أن نعود إلى جذور هذه المفاهيم في فلسفة العلوم، ونرى كيف تطورت لتُشكّل العمود الفقري للمنهج العلمي الحديث، ونظرية النظم، والذكاء الاصطناعي. فهذه الثنائية ليست مجرد فرق بين الهدف والطريقة، بل هي تمثل نمطين مختلفين جذرياً في معالجة العقل للمعلومات، وفهم السببية، وتفسير الظواهر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى