الله يعز الحكام حق المغرب بين صفارة الحكم وحكم القانون: لماذا لم تنسحب السنغال أمام بلجيكا كما فعلت في كأس إفريقيا؟
منير لكماني ألمانيا
02/07/26
في كرة القدم، لا يكفي أن تكون غاضبا لكي تكون صاحب حق، ولا يكفي أن تشعر بالظلم لكي تغادر الملعب. هناك حكم، وهناك قانون، وهناك مسطرة. ومن هذه الزاوية، فإن المغاربة كانوا على حق حين اعتبروا أن كأس إفريقيا من حقهم بعد واقعة السنغال؛ لأن القضية لم تعد مجرد نقاش حول ركلة جزاء، بل أصبحت قضية إنسحاب ورفض لمواصلة اللعب، وهي أفعال يعاقب عليها قانون الإتحاد الإفريقي لكرة القدم بوضوح.
ما وقع للسنغال في كأس العالم 2026 أمام بلجيكا يختصر المعنى كله. فقد إنهزم المنتخب السنغالي بنتيجة 3-2 بعد أن كان متقدما بهدفين، ثم تلقى ضربة قاضية من ركلة جزاء في الدقيقة 125 تقريبا، سجلها يوري تيليمانس، بعد مراجعة مثيرة للجدل عبر تقنية الفيديو. ومع ذلك، لم ينسحب لاعبو السنغال، ولم يغادروا الملعب، ولم يطلب المدرب من فريقه التوقف عن اللعب. إنتهت المباراة رياضيا، رغم القسوة، لأن الجميع كان يعرف أن مغادرة الملعب أمام FIFA ليست بطولة، بل انتحار قانوني.
هنا تظهر قيمة العنوان: الله يعز الحكام. ليس لأن الحكم لا يخطئ، بل لأن سلطته داخل الملعب هي التي تحفظ المباراة من الفوضى. يمكن للمدرب أن يحتج، ويمكن للاعب أن يعترض في حدود القانون، ويمكن للجامعة أن تسلك طريق الإستئناف، لكن لا يمكن لفريق أن يحول الغضب إلى إنسحاب. لذلك، فالمغاربة لم يطلبوا الكأس بالعاطفة، بل طالبوا بتطبيق القانون.
في قضية نهائي كأس إفريقيا المغرب 2025، قرر مجلس الاستئناف داخل CAF أن إستئناف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مقبول ومؤسس، وألغى قرار لجنة الإنضباط، وإعتبر أن سلوك المنتخب السنغالي يدخل في نطاق المادتين 82 و84 من لوائح كأس إفريقيا. ونتيجة لذلك، أعلنت CAF أن السنغال خسرت النهائي إدارياً بنتيجة 3-0 لصالح المغرب. هذا ليس ظلماً، بل تطبيق مباشر للنص. (Confédération Africaine de Football)
النص الإفريقي واضح. ففي لوائح كأس إفريقيا للأمم، الفصل 35: الانسحابات، المادة 82، يعاقب الفريق الذي ينسحب، أو يرفض اللعب، أو يغادر الملعب قبل النهاية القانونية دون إذن الحكم. وجاء في النص الإنجليزي الرسمي التعبير الحاسم: “leaves the ground before the regular end of the match without the authorisation of the referee”. ثم تأتي المادة 84 من الفصل نفسه لتقرر أن الفريق المخالف للمادتين 82 و83 “will lose its match by 3-0”، أي يخسر المباراة بثلاثة أهداف لصفر، إلا إذا كانت نتيجة الخصم أفضل عند توقف اللقاء.
لهذا كان حكم الإستئناف عادلا في نظر المغاربة. فالمنتخب المغربي لم يكن مطالبا بأن يعتذر لأنه تمسك بالقانون. ومن حق المغاربة الحصول على الكأس، لأن المنافس هو من وضع نفسه تحت طائلة الإنسحاب. في كرة القدم، من يغادر الملعب قبل النهاية لا يعاقب خصمه، بل يعاقب نفسه.
أما في FIFA، فالقانون لا يختلف في الجوهر. ففي لوائح كأس العالم 2026، المادة 6: الإنسحاب والمباريات غير الملعوبة والمهجورة، تنص المادة 6.1 على أن كل إتحاد مشارك يلتزم بأن يلعب جميع مبارياته إلى أن يتم إقصاؤه رسميا. كما تنص المادة 6.3 على أن كل مباراة لا تلعب أو يتم هجرها، بإستثناء القوة القاهرة المعترف بها من FIFA، قد تؤدي إلى عقوبات تأديبية. وتضيف المادة 6.4 أن الإتحاد المسؤول عن هجر المباراة قد يلزم بالتعويض عن الأضرار والمصاريف.
والأهم أن المادة 9.6 من لوائح كأس العالم 2026 تقطع الطريق على من يريد تحويل قرارات الحكم إلى سبب للإنسحاب، إذ تنص على أنه لا يجوز تقديم إحتجاج على قرارات الحكم المتعلقة بوقائع اللعب، وأن هذه القرارات نهائية وغير قابلة للاستئناف، إلا في الحالات التي يحددها قانون FIFA التأديبي.
بل إن قانون FIFA التأديبي، المادة 16: المباريات غير الملعوبة والهجر، يقرر أن المباراة التي لا تستكمل بسبب سلوك فريق، لا بسبب قوة قاهرة، تؤدي إلى غرامة لا تقل عن 10 آلاف فرنك سويسري، وقد تنتهي بالخسارة أو الإعادة. ثم تنص المادة 28: Forfeit على أن الفريق المعاقب بالخسارة الإدارية يعتبر خاسرا 3-0 في كرة القدم من 11 لاعباً.
السؤال إذن ليس: لماذا حصل المغرب على الكأس؟ بل السؤال الحقيقي هو: لماذا لم تنسحب السنغال أمام بلجيكا في كأس العالم 2026 رغم أن ضربة الجزاء جاءت في آخر الأنفاس؟ الجواب بسيط: لأنها تعلمت أن القانون أقوى من الغضب. في كأس إفريقيا غلب الإنفعال، فجاء حكم الإستئناف لصالح المغرب. وفي كأس العالم غلب الحساب، فقبلت السنغال نهاية المباراة رغم مرارتها.
نعم، هذه صياغة أكثر حدّة وأكاديمية في الوقت نفسه:
لقد كشفت واقعة السنغال أن كرة القدم تُدار عملياً بسرعتين: سرعة FIFA، حيث يفرض القانون صرامته ولا يترك هامشاً واسعاً للانسحاب أو الضغط أو ابتزاز القرار التحكيمي؛ وسرعة CAF، حيث راكمت المنظومة الإفريقية، عبر سنوات، اختلالات في الحسم والشفافية وتطبيق النصوص، حتى ترسخ لدى البعض وهمٌ بأن مغادرة الملعب يمكن أن تمر بلا ثمن رياضي أو تأديبي. أمام بلجيكا، تقبلت السنغال ضربة جزاء قاتلة في الدقائق الأخيرة وبقيت داخل الملعب، لأنها تدرك وزن FIFA وصلابة آلياته. وأمام المغرب، انسحبت لأنها راهنت، فيما يبدو، على هشاشة التدبير داخل المنظومة الإفريقية. غير أن الاستئناف أعاد القانون إلى مركزه، وأنصف النص قبل أن ينصف المغرب، وأكد أن الكأس لا تُمنح لمن يرفع صوته، بل لمن يحترم المباراة حتى صافرة النهاية. الله يعزّ الحُكّام، والله يعزّ من ينتصر بالقانون لا بالفوضى.
لقد كشفت واقعة السنغال أن كرة القدم تدار عمليا بسرعتين: سرعة FIFA، حيث لا مكان للإنسحاب أو الضغط أو إبتزاز القرار التحكيمي، لأن القانون هناك حاضر بصرامة ومسنود بآليات تنفيذ لا تتسامح مع الفوضى؛ وسرعة CAF، حيث راكمت المنظومة الإفريقية، عبر سنوات، إختلالات في الحسم والشفافية وتطبيق النصوص، حتى توهم البعض أن مغادرة الملعب يمكن أن تتحول إلى وسيلة تفاوض لا إلى مخالفة صريحة. أمام بلجيكا، قبلت السنغال ضربة جزاء قاتلة وبقيت في الملعب، لأنها تعرف وزن FIFA. وأمام المغرب، إنسحبت لأنها راهنت، كما يظهر، على هشاشة التدبير الإفريقي. لكن الإستئناف قطع الطريق على هذا المنطق، وأعاد الإعتبار للنص، وأكد أن الكأس من حق من إحترم القانون لا من إختبر حدود الفوضى. الله يعز الحكام، والله يعز من ينتصر بالنص لا بالضغط.




