
لا تزال إطلالة بريس تتوصل بمقالات وآراء من مختلف الأطياف الفكرية والسياسية حول موضوع المشاركة السياسية، في ظل ما يثيره من نقاشات وتباين في المقاربات والاجتهادات.وإذ تنشر إطلالة بريس اليوم هذا المقال للدكتور محمد عوام، الموسوم بـ“المشترك موجود والعقد مأمول”، وهو تعقيب على مقال الأستاذ فؤاد بو علي: “الإسلاميون والبحث عن المشترك المفقود”، فإنها تؤكد أن هدفها هو الإسهام في ترسيخ ثقافة الحوار المسؤول، وإتاحة المجال لتبادل الآراء والأفكار في إطار الاحترام المتبادل، مع احتفاظ كل كاتب بالمسؤولية الكاملة عن الآراء الواردة في مقاله.
كتب الأستاذ الفاضل فؤاد بو علي تدوينة على صفحته (الفيس) بعنوان (الإسلاميون والبحث عن المشترك المفقود)، تعرض فيها إلى الخلاف الحاصل بين حركة التوحيد والإصلاح وجماعة العدل والإحسان، وذهب إلى أن (ما يفرق بينهم أكبر بكثير مما يجمعهم، أو يعتقدون أنه يجمعهم، لذا تكون الممارسة برهان فرقة وتشعب سبل، وليست دليلا على الاختلاف في المنهج كما يتصور).
ودليله هو (الصراع الدائم على المجالات والفضاءات…) مما قد يحصل معه التلاسن والمواجهة كما قال.
وأنا أريد أن أعلق على كلامه بما يلي:
أولا: ما يجمع الإسلاميين من مشترك ليس مفقودا، كما زعم الأستاذ بو علي، وإنما هو ممارسة يومية، وهو بأكثر بكثير من التصورات التنظيمية، وأساليب العمل الحركي. فيجمعهم الإيمان، وتوحدهم الصلاة، ويؤلف بينهم الهدى الرباني، الشامل على الأخلاق. فلا خلاف بين الإسلاميين في ثوابت الدين، ولا في قضايا الأمة المصيرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ولا خلاف بينهم في محاربة الفساد، ومناهضة الاستبداد. وكل هذه المسائل التي ذكرت، ومما لم أذكره من المشترك الناظم للحركات الإسلامية، وهذا لا ينكره عاقل، فضلا عمن ينتمي إلى الحركة الإسلامية. وهذا ليس مفقودا، حتى يدعى فيه عدم الوجود، فعدم الوجود عند بعضهم، لا يستلزم عدم الوجدان، وإنما هي ممارسة يومية.
ثانيا: القضايا السياسية والتقديرات الاجتهادية، المفضية إلى الاختلاف، لا يخلو منها عصر، ولم تعزب عن مصر، منذ أن عمّر الإنسان هذه البسيطة، وهي تقديرات واجتهادات يسعها الواقع، وإنما تتفاضل في مدى استجابتها ومعالجتها للواقع بشكل فعال، يوازن فيها بين المصالح والمفاسد. وفي بعض الأحيان شاهدنا التنسيق والعمل المشترك في قضايا وطنية مهمة، من جملتها (الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية) ولا أدل على ذلك من مسيرة الدار البيضاء التاريخية. كما يتم التنسيق في القضية الفلسطينية. بالمشاركات في المسيرات الكثيرة العدد. وهذا ليس من قبيل البحث عن المشترك المفقود، كما يزعم الأستاذ فؤاد، وإنما هو من قبيل المشترك الموجود. نعم قد يقع الاختلاف في بعض الجزئيات التنفيذية والإجرائية، ولكن المبدأ العام الناظم الجامع، أن كل الإسلاميين على قلب رجل واحد لمناصرة القضايا المصيرية، ومن جملتها فلسطين.
ثالثا: العمل التنظيمي من باب الوسائل، فإذا اتحدت المقاصد، فلا بأس بتعدد الوسائل، لأنه قد تكون للمقصد الواحد ألوانا وأشكالا من الوسائل الناجعة لتطبيقه، وتنفيذه. وقد تتفاضل هذه الوسائل فيما بينها، وقد يجنح كل تنظيم، اجتهادا منه، إلى ترجيح وسيلة على أخرى، فيكون مجتهدا اجتهادا وسيليا، يؤجر على ذلك، إذا سبر وقسم وفاضل بين كافة الوسائل، فاختار واحدا منها، ظنا منه أنه قمن به أن يوصل إلى المقصود. ونحن نعلم أن المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد. وليس هذا خاصا في تقديري باستنباط الأحكام الشرعية، وإنما يشمل أيضا اختيار كافة الوسائل، سواء الدعوية، أو السياسية، أو التنظيمية، وهكذا.
هنا ينبغي التفريق بين ما هو من ضرب الوسائل، وما هو من ضرب المقاصد، والخلاف الحاصل بين التنظيمات الإسلامية، أكثره من باب الوسائل، ما عدا عند بعض المتطرفين الغلاة، الذين يحولونه إلى خلاف عقدي في الأصول، وهؤلاء شرذمة قليلون لا يعتد بهم.
رابعا: ما ذكره الأستاذ بو علي حفظه الله، من وقوع الصراع والتلاسن…، فليس ذلك هو الأصل، وغالبا ما يقع من المتهورين والمتسرعين، الموجودين في كل تنظيم. أما العقلاء فيزنون أقوالهم وأفعالهم، ويضبطون تصرفاتهم وتحركاتهم، فيقفون عند حدود الشرع. ومثل هؤلاء لم يسلم منهم تنظيم، بما في ذلك العصر النبوي.
كما قد يقع الخلاف والمشادات الكلامية حتى بين الكبار، لكن ذلك كان محدودا، لأن الأخوة الإيمانية الموحدة، تعمل على ذوبان كل خلاف، وتصهره، لا سيما إذا كان خلافا قد يجر إلى الفرقة. وقد وقع مثل هذا زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإبان نزول الوحي، من ذلك سبب نزول قوله عز وجل: “يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم” [الحجرات:1]
وقد روي أنها نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عنما رفعا أصواتهما بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى البخاري في صحيحه، عن ابن أبي مليكة قال: “كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال: أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: “يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم”. الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه. ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر”.
وفي رواية للبخاري أيضا: “… فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما…”
وهذا صدر عن الخيران أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وهو بطبيعة الحال حدث عارض، ولعل الحكمة من وقوعه تأديب صف المؤمنين، إذا كانوا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما عبر عنه ابن كثير رحمه الله بقوله: ” هذه آداب، أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام” (تفسير ابن كثير7/364).
وما أجمل ما عبر به الشهيد سيد قطب رحمه الله، بأسلوبه البديع الرفيع، وهو يتناول هذه الآية، فقال رحمه الله: “فهو أدب نفسي مع الله ورسوله، وهو منهج في التلقي والتنفيذ، وهو أصل من أصول التشريع والعمل في الوقت ذاته. وهو منبثق من تقوى الله، وراجع إليها. هذه التقوى النابعة من الشعور بأن الله سميع عليم. وكل ذلك في آية واحدة قصيرة، تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصيلة الكبيرة”. (في ظلال القرآن 6/3338).
والروايات كثيرة في هذا الباب، التي تعبر عن الطبيعة البشرية، مما يعطينا فكرة أن الاختلاف قد يقع، بل واقع لا محالة، فوقع بين الكبار، لكن الكبار يقدر بعضهم بعضا، ويعذر بعضهم بعضا، ثم يعملون جميعا من أجل القضايا المشتركة الموجودة، لا المفقودة، وفي سياق الوحدة الجامعة، وأقصد بها الوحدة التصورية الإيمانية والأخلاقية والمصيرية، لا القضايا الجزئية والفرعية المتعلقة بكل تنظيم على حدة.
وحتى إذا ما وقع الخلاف والتلاسن أحيانا، وهو أمر عرضي، فعلى العقلاء أن يتداركوه بالعلاج، ولا يتركوه يتفاقم، أو ينهمك بعض الضعفاء في توسيع رقعته، وتفشي دائه. فالحركات الإسلامية الواعية، ذات التفكير المقاصدي والتنظيم الفعال، وذات مشروع حضاري، فهي دائما تعمل على لمِّ الصف، وجمع الكلمة، وتنظر إلى القضايا الموحدة، وتكون بمعزل عن المناكفات، التي يغذيها أعداء المشروع الإسلامي، ليذكوا الصراع بين أفرادها، ويبثوا الشقاق بين أبنائها.
خامسا: المشترك موجود والوحدة ممكنة. لقد أفهمنا الأستاذ فؤاد أن المشترك بين الإسلاميين مفقود، وإذا كان كذلك، فلا أمل في الوحدة، أو العمل المشترك، وما أحسب هذا إلا نوعا من التخرص، ومن الظنون التي لا تغني عن الحق شيئا (إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين). ودليلي على ذلك، أن حركة التوحيد والإصلاح، قبل وحدتها مع رابطة المستقبل الإسلامي عاشت مخاضا عسيرا، كما عاشتها قبلها الرابطة نفسها التي جمعت في أحشائها تكتلات إسلامية متفرقة ومختلفة، لكن فتح الحوار والاستمرار فيه، والتنسيق في كثير من القضايا، يبدد بعد حين غيوم الفرقة، التي تكون أحيانا نفسية، أو وهمية، أو حقيقية، لكن لم تأخذ حجمها الحقيقي، ونسبتها المعبرة عنها، ودرجتها. فبالحوار والاستمرار في العمل المشترك يتم التقارب، وينفسح المجال للمدارسة والممارسة والأخذ والرد.
وقد ذكر أستاذنا أحمد الريسوني حفظه الله في ذكرياته شيئا مما حصل إبان سنة 1982 حيث تم لقاء ضم الشيخ عبد السلام ياسين ومن معه، وإخوان فاس جمعية جماعة الدعوة الإسلامية، وإخوان التبين، والجمعية الإسلامية بالقصر الكبير، وجمعية الطلائع، ثم أتت بعدها وحدة رابطة المستقبل الإسلامي، ثم جاءت وحدة الرابطة والإصلاح والتجديد، التي انبثقت عنها حركة التوحيد والإصلاح. فيمكن مراجعة تفاصيل ذلك في (ذكريات أحمد الريسوني ص104، 109، 120).
وكل هذا يعطينا فكرة أن التقارب قد حصل، وأن بعض ما كان يعتبر بعيدا، أصبح فيما بعد يعتبر واقعا. وأذكر هنا واقعة لم أجدها مسطرة في ذكريات أستاذي الريسوني. إبان الجامعة الصيفية الأولى التي أسسها الملك الحسن الثاني رحمه الله، وقد انعقدت بالدار البيضاء سنة 1990م، وحضرها طائفة من أبناء الحركة الإسلامية وبعض قادتها منهم الأستاذ عبد الإله بنكيران، والبشير اليونسي المرشد العام لجماعة التبليغ رحمه الله. فقد أثار الأستاذ بنكيران بعض المسائل منها أنهم دخلوا السجن، وأن الحركة الإسلامية تريد أن تعمل في إطار القانون… وغير ذلك. فلم يستحسن بعض الجماعات الإسلامية كلامه، لا سيما أنهم كانت لهم حساسية منه.
فعلى إثر ذلك زرت مع الأخ عبد الرحيم خربوش أستاذنا الريسوني نستفسره عن موقفه، ولماذا هذا الرفض، فعبر لنا عن امتعاضه وتأسفه، ومما قال لنا: “هذا فراق بيننا وبين هذا الرجل، …وأنا أكبر فيه شجاعته”.
أذكر هذا، لأن استمرار الحوار بالرغم من خفوته، أفضى إلى وحدة رابطة المستقبل الإسلامي وحركة الإصلاح والتجديد، ولم يفت أستاذنا الريسوني أن يذكر في ذكرياته أن الأستاذ عبد الإله بنكيران كان من أشد المتحمسين للوحدة ومن المضحين لأجلها” (ص121)، علما أنهم كانوا متحفظين على طريقة بنكيران في الحوار وتدبير الأمور كما قال أستاذنا.
فبهذا يظهر أن مساحة المشترك بين أبناء الحركة الإسلامية، مساحة شاسعة، تحتاج إلى من يفعلها أكثر، ويحوطها بالعناية والرعاية، وهي صمام أمان لمواجهة التحديات والصعاب. أما مساحة الاختلاف فهي محدودة معدودة فينبغي إبقاء الحوار الجاد والنافع حولها مفتوحا ومثمرا، فإن لم يتوصل اليوم فيها إلى حل، فعسى بمزيد من الوقت والصبر تنبجس الحكمة فيهتدى فيها إلى الصواب.
ولا يسعني إلا أن أشكر الأستاذ فؤاد بو علي الذي كان سببا في تدوين هذا التعقيب، عساه أن يكون نافعا ومثمرا في فتح نقاش جاد وفعال حول قضايانا المهمة. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
2




