رأي

عقدة بنكيران من الثبات حين يقتلون الشرف ليحيا العار

بقلم: حسن لمداسني

في ظل الجدل السياسي والفكري الذي أثارته التصريحات المتبادلة بين الأستاذ عبد الإله بنكيران، الذي يدافع عن خيار المشاركة السياسية باعتباره سبيلًا للإصلاح من داخل المؤسسات، وبين الأستاذ محمد العبادي، الامين العام لجماعة العدل والإحسان، الذي يتبنى موقف المقاطعة ويرى أن شروط المشاركة الحقيقية غير متوفرة، توصلت “إطلالة بريس” بعدد من المقالات والآراء المتباينة حول هذا النقاش.

وانطلاقًا من حرصها على إتاحة المجال لمختلف وجهات النظر، وإيمانًا منها بأن النقاش المسؤول يثري الحياة الفكرية والسياسية، تنشر “إطلالة بريس” هذا المقال للرأي، مع التأكيد على أن ما يرد فيه يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري للموقع.

اطلالة بريس

​​ تقول الحكاية: أنه في إحدى الحروب، كمن الجنود لإحدى القرى وانتظروا حتى خرج الرجال للعمل في الحقول، فاقتحموا القرية واغتصبوا كل نسائها، إلا واحدة؛ قاومت من أراد الاعتداء عليها وقتلته، بل قطعت رأسه! وبعد أن أنهى الجنود مهمتهم ورجعوا لثكناتهم، خرجت كل النساء من بيوتهن يلملمن ملابسهن الممزقة ويبكين بحرقة، إلا هي! خرجت من بيتها حاملةً رأس الجندي بين يديها، وفي عينيها نظرات عزةٍ نفسٍ واحتقارٍ للأخريات، وقالت: “هل كنتم تظنون أنني سأتركه يغتصبني دون أن أقتله أو يقتلني؟”.
​نظرت نساء القرية لبعضهن البعض، وقررن أن عليهن قتلها! ليس لأنها أخطأت، بل حتى لا تتعالى عليهن بشرفها، ولكي لا يسألهن أزواجهن عندما يعودون من العمل: “لماذا لم تقاومن مثلها؟”. هجموا عليها على حين غفلة وقتلوها.. لقد قتلوا الشرف ليحيا العار!
​قد تبدو هذه الحكاية للوهلة الأولى مريرةً أو خارجة عن سياق الزمن، لكن أليس هذا هو تماماً ما نلمسه اليوم في تفاعلاتنا السياسية؟
​إن الهجوم الأخير الذي شنّه السيد بنكيران على جماعة العدل والإحسان، لا يمكن قراءته بوصفه “نقداً سياسياً” بين فاعلين داخل الحقل، بل هو أقرب ما يكون إلى رد فعل النساء اللواتي قررن التخلص من جارتهن التي أبت الانكسار. فالفاسد -أو من اختار طريق التبرير- في حقلنا السياسي، لا يضيره أن تختلف معه في الرأي، بل يضيره أن تظل “صامداً” حين يقرر هو الانحناء، وأن تظل “ممانعاً” حين يقرر هو التطبيع مع الفشل.
​إن وجود طرفٍ يرفض “قواعد اللعبة الملوثة” ليس مجرد اختيار سياسي، بل هو إدانةٌ حية لكل من اختار الطريق الأسهل، وهو “مِرآةٌ كاشفة” تعيد للناس رؤية عوراتٍ أرادوا التستر عليها بضجيج المبررات.
​إن ما يفعله بنكيران في خرجاته الأخيرة ليس مجرد سجالٍ عابر، بل هو تعبير عن أزمة وجودية يعيشها كل “مُنتقل” من موقع المقاومة إلى موقع التبرير، حيث صار شعار “الإصلاح من الداخل” هو الغطاء الأنيق لعملية “الاندماج في الفساد”.
​هو يدرك في قرارة نفسه أن “الثبات” على المبدأ -الذي تمثله جماعة العدل والإحسان وباقي الشرفاء في هذا الوطن- يشكل له ولأمثاله حالة إزعاجٍ بنيوية؛ لأن هذا الثبات يكشف زيف معادلتهم. لقد تحولت “الواقعية السياسية” عند هؤلاء إلى “واقعيةٍ استسلامية”، حيث يظنون أن بإمكانهم ترويض الفساد، بينما الحقيقة هي أن الفساد هو الذي روّضهم وألحقهم بقطيعه.
​إنهم يحتاجون لشيطنة المتمسك بالمبدأ لكي يبرروا لأنفسهم الاستسلام. فإذا أقنعوا الناس أن “الشريف” هو “مجنون” أو “متطرف”، فإنهم بذلك يغسلون أيديهم من عار الخنوع.
​إن المعركة هنا ليست معركة تيارين، بل هي معركةٌ بين إرادةٍ ترفض الانكسار، وبين واقعٍ اختار الاندماج في الفساد. والذين يقتلون الشرف في ساحة السياسة -كما فعلت نساء القرية- لا يفعلون ذلك ليحموا المجتمع، بل ليفعلوا ما هو أسوأ: ليضمنوا أن أحداً لن يجرؤ بعد اليوم على أن يكون أفضل منهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى