رأي

“قندوح”.. لماذا ينجح بنكيران في صناعة الكلمات وصناعة الحدث؟

بقلم كمال عصامي صحفي

لم يكن مصطلح “قندوح” سوى أحدث حلقة في سلسلة طويلة من الكلمات التي أطلقها عبد الإله بنكيران، وما إن نطق بها حتى غادرت حدود التجمع الحزبي لتصبح عنوانًا في المواقع الإلكترونية، وموضوعًا للنقاش في منصات التواصل الاجتماعي، ومادة يتداولها السياسيون والإعلاميون والمثقفون.

وقبل “قندوح”، كانت هناك “التماسيح والعفاريت”، و”نكافات”، وغيرها من التعابير التي خرجت من خطاب سياسي لتتحول إلى مفردات متداولة في الحياة العامة. وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا ينجح بنكيران في صناعة الكلمات، بينما يفشل كثير من السياسيين في جعل حتى أفكارهم تصل إلى الناس؟

السبب، في تقديري، لا يكمن في الكلمات وحدها، بل في صاحبها. فبنكيران لا يتحدث بلغة البيانات الحزبية، ولا يقرأ نصوصًا مصقولة أعدها مستشارون في التواصل، وإنما يتحدث بعفوية، ويترك للغة اليومية أن تتسلل إلى خطابه السياسي. وقد يصفه البعض بالشعبوي أو “الحلايقي”، لكن حتى خصومه يدركون أن الرجل يمتلك قدرة نادرة على مخاطبة الناس بلغتهم، وتحويل السياسة من نص جامد إلى حديث يتداوله الجميع.

وهنا تكمن المفارقة. فهناك سياسيون يملكون معارف أوسع، وخطابات أكثر ترتيبًا، لكنهم لا يتركون أثرًا في الرأي العام. بينما يخرج بنكيران في لقاء حزبي عادي، فيصبح حديث الإعلام لأيام. إنه لا يكتفي بإلقاء خطاب، بل يصنع حدثًا.

وأعرف عبد الإله بنكيران منذ البدايات الأولى للجماعة الإسلامية، حين كانت لا تزال تبحث عن هويتها الفكرية والسياسية. وقد كان، حتى وهو شاب، مختلفًا عن كثير من رفاقه في طريقة التفكير وجرأة الطرح. فالجماعة خرجت من رحم الشبيبة الإسلامية، وكانت تعيش مرحلة مراجعات شاقة، لكن بنكيران امتلك الجرأة للدفع نحو تبني خيارات جديدة، في مقدمتها القبول بالمؤسسة الملكية، والإيمان بالبيعة، والانخراط في العمل السياسي من داخل مؤسسات الدولة.

لم تكن تلك المواقف سهلة في ثمانينيات القرن الماضي، بل كانت تحتاج إلى قدر كبير من الجرأة، لأن مجرد التصريح بها كان يثير حساسيات داخل التيار الإسلامي. لكن بنكيران كان يقول ما يقتنع به دون مواربة، ولا يزال إلى اليوم يكرر، بصراحة، أنه ملكي حتى النخاع، وأن قناعته هذه ليست تكتيكًا سياسيًا، بل خيارًا فكريًا ثابتًا.

غير أن ما يميز بنكيران ليس فقط وضوح مواقفه، وإنما أسلوبه في التعبير عنها. فهو يعرف كيف يحول عبارة بسيطة إلى قضية رأي عام، وكيف يجعل خصومه قبل أنصاره يتوقفون عند كل كلمة ينطق بها. ولذلك فإن الإعلام يتابعه باستمرار، ليس حبًا فيه أو كرهًا له، وإنما لأنه يدرك أن الرجل يحمل دائمًا عنصر المفاجأة.

ومع ذلك، فإن هذه القدرة على صناعة الحدث تطرح سؤالًا آخر: هل تخدم حيوية النقاش السياسي، أم تجعل الاهتمام ينصرف إلى المصطلحات المثيرة أكثر من القضايا العميقة؟ إنه سؤال مشروع، لأن السياسة ليست مجرد لغة، لكنها أيضًا أفكار وبرامج وحلول.

ومهما اختلفت الآراء حول بنكيران، يبقى من الصعب إنكار حقيقة واحدة: الرجل يمتلك موهبة استثنائية في التواصل السياسي. ففي زمن أصبحت فيه الخطابات متشابهة والبيانات متوقعة، لا يزال قادرًا على أن يجعل كلمة واحدة تشغل المغاربة أيامًا، وأن يحول ظهورًا سياسيًا عاديًا إلى حدث إعلامي كامل.

ولعل هذه هي موهبته الأبرز: فهو لا يصنع الكلمات فحسب، بل يصنع النقاش حولها، ويجبر الجميع على التفاعل معها، مؤيدين كانوا أم معارضين. وفي السياسة، قد تكون القدرة على فرض موضوع النقاش أهم من الانتصار في النقاش نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى